ابن عربي

372

مجموعه رسائل ابن عربي

الوجود إلّا الواحد الحق ، لكن : منهم من كان له هذه الحالة عرفانا علميا ، ومنهم من صار له ذوقا وحالا ، وانتفت عنهم الكثرة بالكلية ، واستغرقوا بالفردانية المحضة ، واستهوت فيها عقولهم ، فصاروا كالمبهوتين فيه ، ولم يبق فيهم متسع لذكر غير اللّه ، ولا لذكر أنفسهم أيضا ، فلم يبق عندهم إلّا اللّه ، فسكروا سكرا وقع دونه سلطان عقولهم ، فقال بعضهم : « أنا الحق » وقال الآخر : « سبحاني ما أعظم شأني » وقال الآخر : « ما في الجبة إلّا اللّه » . وكلام العشاق في حال السكر : يطوي ولا يحكي . فلما خف عنهم سكرهم ، وردوا إلى سلطان العقل ، الذي هو ميزان اللّه في أرضه ، عرفوا أن ذلك لم يكن حقيقة الاتحاد ، بل يشبه الاتحاد ، مثل قول العاشق في حال فرط العشق . أنا من أهوى ومن أهوى أنا * نحن روحان حللنا بدنا « 1 » فلا يبعد أن يفجأ الإنسان مرآة فينظر فيها ، ولم ير المرآة قط ، فيظن أن الصورة التي رآها في المرآة هي صورة المرآة متحدة بها . ثم قال : وهذه الحالة إذا غلبت سميت بالإضافة إلى صاحب الحال « فناء » بل « فناء الفناء » لأنه فني عن نفسه ، وفني عن فنائه ، فإنه ليس يشعر بنفسه في تلك الحال ، ولا بعدم شعوره بنفسه ، ولو شعر بعدم شعوره بنفسه لكان قد شعر بنفسه . وتسمى هذه الحال بالإضافة إلى المستغرق فيها بلسان المجاز « إتحادا » وبلسان الحقيقة « توحيدا » . ا ه المراد . ومن استبعد كلمة الغزالي هذه ، فليتدبر قوله ( ص ) : « أصدق كلمة قالها الشاعر ، كلمة لبيد : « ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل » رواه البخاري ، ومسلم في الصحيح ، وغيرهما « * » . وهذه مقامات من وصلها أفراد .

--> ( 1 ) سيشرحها الشيخ بعد قليل شرحا طيبا . ( * ) ورواه ابن ماجة .