ابن عربي

352

مجموعه رسائل ابن عربي

قال الغزالي في « المضنون » الكبير : « وليس للّه تعالى مثل » ، كما قال : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ولكن له مثال : وقول النبي ( عليه الصلاة والسلام ) : « إن اللّه تعالى خلق آدم على صورته » « 1 » إشارة إلى هذا المثال ، فإنه لما كان تعالى وتقدس موجودا قائما بنفسه ، حيا ، سميعا ، بصيرا ، عالما ، قادرا ، متكلما ، فالإنسان كذلك ، ولو لم يكن الإنسان بهذه الأوصاف موصوفا : لم يعرف اللّه تعالى ، ولذلك قال النبي ( عليه الصلاة والسلام ) : « من عرف نفسه فقد عرف ربه » . فإن كل ما لم يجد الإنسان له من نفسه مثالا : يعسر عليه التصديق به ، والإقرار . وقد أوحى اللّه تعالى إلى بعض الأنبياء ( عليهم الصلاة والسلام ) : « أيها الإنسان أعرف نفسك تعرف ربك » ولذلك لا يحيط علم الإنسان بأخص وصف للّه تعالى ، لأنه ليس في المبدعات والمخلوقات مثال وأنموذج من ذلك الوصف الخاص ، وكذلك الاسم للوصف الخاص الذي له تعالى ، لأن الإنسان إنما يسمي الشيء بعد معرفته إياه ، وإذا لم يكن للإنسان إليه طريق وأنموذج ، فلا علم له به ، ولا اسم له عنده ، ولا علامة ، فكيف يعرفه ، فلذلك « لا يعرف اللّه إلّا اللّه » أعني أخص وصفه وكنه معرفته » . فمن قال : إن الإنسان : حي ، عالم ، قادر ، سميع ، بصير ، متكلم ، واللّه تعالى كذلك ، لا يكون هذا القائل مشبها ، فإن التشبيه إثبات المشاركة في الوصف الأخص . ومن قال : السواد عرض موجود ، وهو لون ، والبياض عرض موجود ، وهو

--> ( 1 ) حديث صحيح ، وسببه أن النبي ( ص ) رأى رجلا من أصحابه يضرب عبدا له على وجهه فنهاه عن ذلك ، وقال له : « ان اللّه خلق آدم على صورته » أي على صورة هذا الرجل . فمن ضرب رجلا على وجهه فكأنما ضرب أباه آدم ( ع ) . وإنما استعمله الصوفية ( رضي اللّه عنهم ) ، على اعتبار إطلاق الضمير ، لا على أن للّه صورة خلق آدم عليها ، إذ لو أنهم قصدوا ذلك ، لما ساعدتهم لغة العرب التي نطق بها رسول اللّه ( ص ) ، ومعاذ اللّه أن يقصدوا شيئا يمس العقيدة من قريب أو بعيد . ويكون عندهم : « على صورته » التي أراد ، والهيئة التي قدرها سبحانه وتعالى له . وفي القاموس : الصورة : النوع ، والصفة . وقد كتب الشيخ محمد الشنقيطي ( رحمه اللّه ) فصلا طيبا عن الصورة في كتابه « استحالة المعية بالذات » . فطالعه تجد فيه متعة أي متعة .