ابن عربي
349
مجموعه رسائل ابن عربي
لهم في حالة سكرهم ، فوقع فيهم ، وكم من معتقد لهم أخذ كلامهم في سكرهم المؤول حقيقة ، فضل وأهلك نفسه الهلاك الأبدي ، إذ ألقى من يده ميزان الشريعة لقول غير معصوم ، فقال مقاله ، ولم يكن في حال كحاله . . ولا نطيل ، فاتل كلمة إمامنا الغزالي التي أحال فيها على كلمته السابقة في « المقصد الأسنى » ، وتنبه لقوله : ( ولا يحاول معبر أن يعبر عنها ، إلّا أشتمل لفظه على خطأ صريح ، لا يمكنه الاحتراز عنه ) . قال الإمام الغزالي : في كتاب « المنقذ من الضلال » في فصل « القول في طريق الصوفية » . وعلمت أن طريقتهم إنما تتم بعلم وعمل ، وكان حاصل علمهم قطع عقبات النفس والتنزه عن أخلاقها المذمومة وصفاتها الخبيثة ، حتى يتوصل بها إلى تخلية القلب عن غير اللّه تعالى ، وتحليته بذكر اللّه . وكان العلم أيسر عليّ من العمل . فابتدأت بتحصيل علمهم من مطالعة كتبهم ، مثل : « قوت القلوب » لأبي طالب المكي ، وكتب الحارث المحاسبي ، والمتفرقات المأثورة عن الجنيد ، والشبلي ، وأبي يزيد البسطامي ، وغير ذلك من كلام مشايخهم ، حتى اطلعت على كنه مقاصدهم العلمية ، وحصلت ما يمكن أن يحصل من طريقهم بالتعلم والسماع ، وظهر لي أن أخص خواصهم ما لا يمكن الوصول إليه بالتعلم ، بل بالذوق والحال ، وتبدل الصفات ، فكم من الفرق بين أن يعلم : حد الصحة ، وحد الشبع ، وأسبابهما ، وشروطهما ، وبين أن يكون صحيحا وشبعان » . ثم قال : « فعلمت يقينا أنهم أرباب أحوال ، لا أصحاب أقوال ، وأن ما يمكن تحصيله بطريق العلم فقد حصلته ، ولم يبق إلّا ما لا سبيل إليه بالسماع والتعلم ، بل بالذوق والسلوك » . إلى أن قال : « ثم دخلت الشام ، وأقمت به قريبا من سنتين ، لا شغل لي إلّا العزلة والخلوة والرياضة والمجاهدة ، اشتغالا بتزكية النفس وتهذيب الأخلاق وتصفية القلب لذكر اللّه تعالى ، كما كنت حصلته من علم الصوفية ، ثم جذبتني الهمم ودعوات الأطفال إلى الوطن ، فعاودته بعد أن كنت أبعد الخلق عن الرجوع إليه ،