ابن عربي
343
مجموعه رسائل ابن عربي
تنسلخ الحية من جلدها ، فنظرت فإذا أنا هو » ، ويكون معناه : ان من ينسلخ من شهوات نفسه وهواها وهمها ، فلا يبقى فيه متسع لغير اللّه ، ولا يكون له هم سوى اللّه تعالى . فإذا لم يحل في القلب إلّا جلال اللّه وجماله ، حتى صار مستغرقا به ، يصير كأنه هو ، لا أنه هو تحقيقا ، وفرق بين قولنا : « كأنه هو » وبين قولنا : « هو هو » . لكن قد نعبر بقولنا : هو هو عند قولنا : « كأنه هو » كما أن الشاعر تارة يقول : « كأني من أهوى » ، وتارة يقول : « أنا من أهوى » ، وهذه مزلة قدم ، فإنه ليس له قدم راسخ في المعقولات ، ربما لم يتميز له أحدهما عن الآخر ، فينظر إلى كمال ذاته ، وقد تزين بما تلألأ فيه من حلية الحق ، فيظن أنه هو ، فيقول : « أنا الحق » وهو غالط غلط النصارى ، حيث رأوا ذلك في ذات عيسى ( ع ) ، فقالوا : هو الإله . بل غلط من ينظر إلى مرآة قد انطبع فيها صورة متلونة ، فيظن أن تلك الصورة هي صورة المرآة ، وأن ذلك اللون لون المرآة ، وهيهات ، بل المرآة في ذاتها لا لون لها ، وشأنها قبول صور الألوان على وجه يتخايل إلى الناظرين إلى ظاهر الأمور : ان ذلك هو صورة المرآة ، حتى أن الصبي إذا رأى إنسانا في المرآة : ظن أن الإنسان في المرآة ، فكذلك القلب خال عن الصورة في نفسه ، وعن الهيئات ، وإنما هيئته : تبول معاني الهيئات والصور والحقائق ، فما يحله يكون كالمتحد به ، لا أنه متحد به تحقيقا ، ومن لا يعرف الزجاج والخمر ، إذا رأى زجاجة فيها خمر لم يدرك تباينهما ، فتارة يقول : لا خمر ، وتارة يقول : لا زجاجة ، كما عبر عنه الشاعر حيث ، قال : رق الزجاج وراقت الخمر * فتشابها ، فتشاكل الأمر فكأنما خمر ولا قدح * وكأنما قدح ولا خمر « 1 » وقول من قال منهم : « أنا الحق » فإما أن يكون معناه معنى قول الشاعر : - أنا من أهوى ومن أهوى أنا - وأما أن يكون قد غلط في ذلك كما غلطت النصارى في ظنهم اتحاد اللاهوت بالناسوت . وقول أبي يزيد - إن صح عنه - : « سبحاني ، ما أعظم شأني » . إما أن يكون ذلك جاريا على لسانه في معرض الحكاية عن اللّه تعالى ، كما لو سمع وهو
--> ( 1 ) هما للحسن بن هانيء « أبو النواس » .