ابن عربي

306

مجموعه رسائل ابن عربي

فطهرت أثوابي ، وطهرت بقعتي * وطهرت أعضائي ، وناديت بالحب حبيبي تراني عند باب جلالكم * فهل لي إليكم من سبيل ومن قرب تريد جفوني أن ترى نور وجهكم * فتشهدكم عيني ويرعاكم قلبي ترفق بمن أضحى قتيلا بحبكم * وبالكلف المشتاق وألوانه الصب أتاكم من الكون الغريب لترفعوا * بفضلكم عنه مشاهدة الحجب يناجي الذي في قبله من وجودكم * بما جاء منكم في الصحائف والكتب فمنوا عليه بالوصال فإنه * أسير هوى الجو : إن كان ذا سحب فو اللّه مالي راحة دون وجهكم * وما لي شفيع أرتضيه سوى حبي فاطلع شمس الذات في القلب فانتفى * وجودي ، ولم يثبت سوى عالم القرب فسلمت من تلك الصلاة مقدما * على عالمي كوني ، وعدت إلى غيبي الحمد للّه الذي جعل الهوى خير ما تحج إليه قلوب الأولياء : وكعبة تطوف بها أسرار ألباب الظرفاء ، وجعل الفراق أمر كأس يذاق ، وجعل التلاقي عذب الجنى طيب المذاق . تجلى اسمه الجميل سبحانه فوله الألباب ، فلما غرقت في بحار حبه أغاق دونه الباب ، وأمر أجناد الهوى : أن يضربوها بسيوف النوى ، فلما طاشت العقول وقيدها الثقيل ، ودعاها داعي الاشتياق ، وحركتها دواعي الأشواق ، رامت الخروج إليه عشقا ، فلم تستطيع : فذابت في أماكنها الضيقة ، ومسالكها الوعرة ، وجدا وشوقا فاشتد أنينها ، وطال حزنها وحنينها ، ولم يبق إلّا النفس الخافت ، والإنسان الباهت ، ورثى لها العدو الشامت ، وإذا بها الأرق ، وأقلقها القلق ، وأنضجتها لواعج الحق ، وفتك فيها الفراق بختامه ، وجرعها مضاضة كأس مدامه ، واستولى عليها سلطان البين ، فمحق الأثر والعين ، ونزلت بفنائها عساكر الأسف ، وجردت عليها سيوف التلف ( وأيقنت بالهلاك وعاينت مصارع الهلاك ) « 1 » وما خافت ألم الموت ، وإنما خافت حسرة الفوت ، فنادت : يا جميل يا محسان ، يا من قال هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ يا من تيمني بحبه وهيمني بين بعده وقربه ، تجليت فأبليت ، وعشقت « 2 » فأرقت ، وأعرضت فأمرضت ، فيالتك مرضت « 3 » فأفرطت فقطعت ، وأيبست فأيست ، وقربت

--> ( 1 ) جمع هالك . ( 2 ) بتشديد الشين المفتوحة . ( 3 ) بتشديد الراء .