ابن عربي

268

مجموعه رسائل ابن عربي

خطيب الأشقياء : قعد الخطيب الناطق على مرتبته من الغضى « 1 » وقام وزراؤه بين يديه في لظى ، وقال : « الحمد للّه ، ولا أدري كيف ؟ لأني في موطن العطب والخوف ، لم أذل في ربقة التقليد مغلولا ، وبقيد الشرك مقيدا مكبولا ، ( لا أدري ) « 2 » أما المعبود فيكون مني الإقرار والجحود ، فلما قبلتم يدي لعنكم اللّه وعظتموني ، وجعلتموني إماما وقدمتموني ، فرحت نفسي الخسيسة بتلك الرئاسة المحوشة ، ولم تأخذوا في تعظيم حالي إلّا رغبة في جاهي وطمعا في مالي ، ولم يكن عندي علم ألقيه إليكم ، ولا معرفة أسردها عليكم ، ومنعني الكبر أن أسأل العلماء العمال ، ورأيت العلماء السوء منكم يخدون بابي ، ويلازمون ركابي ، رغبة فيما عندي من الأموال ، فأن قلت قولا باطلا صححوه ، وإن زورت كذبا حققوه وشرحوه ، وقالوا : هذا هو الحق الذي لا يرد ، والعلم الأقدس الذي لا يحد ، لقد أعطيت أيها السيد من الذكاء والفطنة وجودة القريحة ما لم يعطه أحد ، فاغتر الجاهلون بهم على ذلك ، فجروا على مذهبهم ، فأوردهم المهالك ، فغالطتني نفسي واحتجبت عن صرف عقلي برئاسة حسي ، فصرت أخترع الأكاذب ، وأشرع المذاهب ، وفتحت بيوت الأموال ، وملكت بها العلماء السفال ، وتبعتموني على كل باطل ، فكنتم قوما بورا ، فوتدعوا اليوم ثبورا واحدا وأدع ثبورا كثيرا ، تخيلتم أن ربوبيتي دائمة ، ومملكتي لا تزال قائمة ، واغتررتم بوعدي ، فأجهدتم نفوسكم في شكري وحمدي ، فاليوم أقول لكم ما قال الشيطان الرجيم ، حين قضى الأمر في سواء الجحيم إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ « 3 » « زادكم اللّه إلى عذابكم عذابا ، وفتح لكم إلى كل شر بابا » . فيقولون : « صدقت وأنت الكذوب ، لعنك اللّه وأخزاك ، وأهانك وأرداك ، جازاك اللّه عنا أسوأ ما جازى به مفسدا ملحدا ، وجعل لك في كل منهل من السوء موردا » .

--> ( 1 ) الغضى نوع من الشجر : جمره أحر جمر عرف ، وفي المطبوعة : « الفضا » بالفاء . ( 2 ) ما بين القوسين من المطبوعة . ( 3 ) سورة إبراهيم ؛ الآية : 22 .