ابن عربي
251
مجموعه رسائل ابن عربي
في قلوب أهل الغور ، والحور والعدل والجور . وذلك أن اللّه تعالى عند هذه الحركات العلويات والتوجهات الافقيات : أظهر عالم الأنوار على عالم الأسرار ، ووقعت النجوم ، وكثرت التنزلات من الحي القيوم وكورت الشمس ، وطمس الحس ، وسيرت الجبال ، ونسفت الرمال ، وعطلت العشار الظاهرة ، وحشرت الوحوش المتنافرة ، ووقع ملطوفان ، وزفر البركان ، وزوجت النفوس وتعشق بالمحسوس ، ونشرت الصحائف ، وتبينت المعارف ، وظهرت اللطائف ، وأوتي بجميع الظرائف ، واتصل حبل التلاق ، وكثر بين المحبين اللثم والعناق ، وثل عرش الفراق ، ونثرت الكيان نجوم أسرارها ، واطلعت البرازخ لوامع أنوارها ، وخلي البرزخ من سكانه ، وتعشق التاجر بدكانه ، وضجر أهل الشكوك « 1 » وتنعم سمراء « 2 » الملوك ، ونبت الريحان في النيران ، وظهرت يواقيت اللهب في العيان ، وعمرت المعادن كلها بروح التكوين ، وجاء الرب في ظلل من لغمام ، والملائكة في لحف الظلام ، وكثرت مناجاة الوعد والوعيد ، وتقصفت جوانح المحبين ، وذابت أبدان العارفين ، وسكنت النفوس بآلافها ومألوفاتها ، وحنت لعرافها ومعروفاتها . فهذا بعض ما عانيت في الكور « 3 » من تأثير هذا النمط الرابع من هذا الدور ، وقطعته في قدر المدة التي قطعت فيها النمط الذي قبله . فلما وقفت على هذه المعارف ، وحصلت فنون هذه « الأسرار واللطائف » رددت إلى السيد الإمام « إدريس » صاحب التأسيس ، فقال لي : إيّاك والنسيان ، فإنه سببب الحرمان . ثم قال لي ركب جوادك ، واشحذ فؤادك ، وسر إلى حضرة أبيك ، وحافظ على ما يحصل لك في تجليك ، واعرف أسرار الإنسان الوحيد وهناك يتبين لك الفرق بين المراد والمريد . جعلنا اللّه وإياكم ممن عرف نفسه ، وشاهد شمسه . بمنة : لا رب غيره آمين .
--> ( 1 ) في المطبوعة : « السلوك » . ( 2 ) جمع مسامر . ( 3 ) في المطبوعة : « الكون » .