ابن عربي
245
مجموعه رسائل ابن عربي
يجوز عليه التكليف ، ولا يتحكم عليه لطيف ولا كثيف ، أين المفصح عنا ببعض ما نحن عليه ؟ والمترجم عنا بما قدرنا لديه ، فرفع لنا بيت من الذهب الأحمر ، قد فيق بالمسك وجمر بالعنبر ، ونصب فيه منبر من الياقوت الأحمر ، وخرج الترجمان وعلى رأسه تاج من اللؤلؤ والجوهر ، وقد حفت به أقاويل الملأ الأعلى ، وروحانيات السماوات العلى ، وما بقي روح إلّا حضر ، ولا ملك محجب إلّا ظهر ، وسطع الشعاع ، وعمر القاع واليفاع « 1 » ، وسرت الضياءات وأشرقت الأنوار ، وازدانت السماوات ، وظهر سلطان الإستواءات ، وتعالى العلا « 2 » وقام البناء وخلص الولاء وتمكن الصفاء ، وعظم الأشراف وتلألأت الآفاق ، وتبخرت الجداول « 3 » وأخذ في مراتبها الأقاول « 4 » وصعد الخطيب المصقع منبره ، وحمى أثره « 5 » وإذا به معتدل النشأة ، حسن الهيئة ، وضاع الجبين ، أشم العرنين ، سبط البنان ، ذرب اللسان ، من أهل الدين ، وداره بعليين ، في أحسن تقويم ، يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم ، مستنير الوجه الأغر ، كأنما فقيء حب الرمان في خده فاحمر ، فسلم ولم يشر ببيانه ، وضرب بلسانه أرين أنفه ، وأداره في شدقيه - ثم شرع في بيانه ، فقال : « الحمد للّه الذي « كان ولا شيء معه ، وهو الآن على ما عليه « 6 » كان » ثم أبدع العالم واخترعه ، ولم يرجع إليه أثر من خلقه الكيان ، أوجد ما علم من ذاته لا من شيء ، وأخرجها من غير ستر « 7 » كانت فيه ولا خبء ، وكان موصوفا بالوجود قبل كل موجود ، ولا قبل إلّا من حيت العبارة ، ولا كان إلّا من الإشارة ، والمنهج القويم في معرفة ارتباط المحدث بالقديم ، فليس بينهما بينية ولا قبلية ، إذ القبل مخلوق إضافي ، وامتداد زماني ، ولو تحققتم مراتب الموجودات لاستحال عندكم وجود الأزمان ، والتقدم بالمكان وقضيتم فيها بالإحالة بعد
--> ( 1 ) اليفاع : ما أرتفع من الأرض ، وفي المطبوعة : « البقاع » . ( 2 ) « العلا » بضم العين . ( 3 ) أي صارت الجداول بحارا . ( 4 ) في المطبوعة : « وأخذت مراتبها الأقاول » . وفي الأصل « الأماثل ، بدل الأقاول » . ( 5 ) الأثر - بسكون الثاء - ، حد السيف ، وهو هنا يشبه كلام الخطيب بالسيف إذا عمل في رقاب العدو . ( 6 ) هذا نص حديث صحيح . ( 7 ) في المطبوعة : « من غير شيء » .