ابن عربي
206
مجموعه رسائل ابن عربي
ينتجها فكر ، ولا يقوم لها ذكر ، حسب العقل قبول الخطاب ، وقبلو ما يخلق فيه من الجواب ، من غير تقدم قصد ولا نية ، ولا فكرة ولا روية . ويا حس : أتل على ربك كلامه ولا تلتفت ، وحقق معنى ما يناجيه به ، وأثبت وشمر أذيالك واجعل خلفك أعمالك وآمالك ، وضع اليدين مكتوفين فوق السرة ، وتحت الصدر ، واطلب منه في ذلك المقام فضل ليلة القدر ، في كونها خير من ألف شهر ، واجعل كل صلاة تدخل فيها آخر صلاتك ، وذلك النفس منتهى حياتك ، فلا تزال مقنعا « 1 » ولربك مسمعا « 2 » متوشحا بالحياء ، غير ملتفت إلى السماء ، طرفك حيث سجودك ، وقلبك حيث معبودك ، وخشية تخشع الجوارح ، وهيبة تقصف الجوانح ، وعبرة « 3 » تسفح ، وزفرة تلفح ، وأنين وزمزمة « 4 » وحنين وهمهمة وتلاطف في تعاطف ، وتوسل في ترسل ، ومشاهدة في مجاهدة ، وتغير في تحير ، واختلاف صفات ، وتنوع حالات ، وآداب وسكينة ، واعتدال وطمأنينة ، إلى أن تفرغ من صلاتك ، فتنظر عند ذلك ما زكى من صفاتك ، وما تقدس من ذاتك ، وعند ذلك تكون المصلى السابق ، وغيرك المصلى اللاحق . جعلنا اللّه وإيّاكم ممّن حضر في صلاته ، فأجزل له في صلاته « 5 » فكان جزاءه النور ودار السرور .
--> ( 1 ) متذللا للّه تعالى . ( 2 ) كناية عن قراءة القرآن : فإن اللّه تعالى يسمعك . ( 3 ) العبرة : أول نزول الدمع ؟ . ( 4 ) الزمزمة : صوت الرعد : استعارة هنا لما يكون عليه العابد حين يصلي ، واللّه تعالى أعلم . ( 5 ) الأولى بفتح الصاد ، والثانية بكسرها .