ابن عربي
89
مجموعه رسائل ابن عربي
شهواتها ، واشتدت رغبتنا في الآخرة ، وزاد حرصنا في طلبها ، وخف علينا كد العبادة ، فلا نحس بها ، بل نرى ذلك نعمة وكرامة ، وعزا وشرفا ، حين جعلنا أهلا أن نذكره ، إذ هدى قلوبنا وشرح صدورنا ، ونور أبصارنا ، لما تعرف إلينا بكثرة أعمالنا « 1 » وفنون إحسانه » . فقال الراهب : جزاك اللّه خيرا من واعظ ما أبلغه ، ومن ذاكر أحسانه ما أرفعه ، ومن هاد رشيد : ما أبصره ، وخطيب رفيق : ما أحزمه ، ومن أخ ناصح : ما أشفقه « 2 » . وقال لقمان لابنه : « يا بني جالس العلماء ، وزاحمهم بركبتيك ، فإن اللّه جل ثناؤه يحيي القلوب الميتة بنور العلم ، كما يحيي الأرض الميتة بوابل السماء ، وإيّاك ومنازعة العلماء ، فإن الحكمة نزلت من السماء صافية ، فلما تعلمها الرجال : صرفوها إلى هوى نفوسهم » . وقال بعضهم : « مثل العالم الراغب في الدنيا ، الحريص في طلب شهواتها ، كمثل الطبيب المداوي غيره المرض نفسه ، فلا يرجى منه الصلاح ، فكيف يشفى غيره ؟ » « 3 » .
--> ( 1 ) بكسر الهمزة لا بفتحها : يعني استعملنا في الخير ، وجعلنا من أهله ، فالحمد للّه على فضله وجوده ، قال تعالى : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ الآية : 58 من سورة يونس ( ص ) وقال رسول اللّه ( ص ) : « إنكم تدخلون الجنة بفضل اللّه ، وتقتسمونها بأعمالكم » . ( 2 ) ومعنى هذا : إن الراهب اهتدى وأسلم ، والحمد للّه رب العالمين . ( 3 ) وقال بعض أفاضل العلماء العاملين ( رضي اللّه عنهم ) : « إذا اشتغل العلماء بجمع المال الحلال : صارت العوام تأكل الشبهة ، وإذا صارت العلماء تأكل الشبهة : صارت العامة تأكل الحرام ، وإذا صارت العلماء تأكل الحرام : صارت العوام كفارا ، لأن العلماء إذا جمعوا الحلال فالعوام يقتدون بهم في الجمع ، ولا يحسنون العلم ، فيقعون في الشبهة . وأما إذا أخذ العلماء من الشبهة ، وتحرزوا عن الحرام ، فيقتدي بهم الجهال ، ولا يميزون بين الشبهة والحرام ، فيقعون في الحرام . فإذا أخذ العلماء من الحرام : اقتدى الجهال بهم ، وظنوا أنه حلال ، فيكفرون إذا استحلوا الحرام » أ . ه واللّه تعالى أعلم .