ابن عربي

86

مجموعه رسائل ابن عربي

قال الراهب : زدني في البيان ؟ قال المجتاز : أزيدك ، اسمع ما أقول ، وأفهم ما تسمع ، واعقل ما تفهم . « إن اللّه جل بقاؤه : لما خلق الإنسان من طين ، ولم يكن قبل شيئا مذكورا ، ثم جعل نسله من ماء مهين - نظفة في قرار مكين - ثم قلبه حالا بعد حال : تسعة أشهر ، إلى أن أخرجه هناك خلقا سويا ، بنية صحيحة ، وصورة تامة ، وقامة منتصبة ، وحواس سالمة ، ثم زود من هنا « 1 » لبنا خالصا لذيذا سائغا للشاربين : حولين كاملين « 2 » ثم رباه وأنشأه وأنماه بفنون لطفه ، وغرائب حكمته ، إلى أن بلغه أشده واستوى ، ثم آتاه حكما « 3 » وعلما ، وأعطاه : قلبا ذكيا ، وسمعا وعيا ، وبصرا حادا ، وذوقا لذيذا ، وفما طيبا ، ولمسا لينا ، ولسانا ناطقا ، وعقلا صحيحا ، وفهما جيدا ، وذهنا صافيا ، وتمييزا وفكرة ، ورؤية وإرادة مشيئة ، واختيارا وجوارح طائعة ، ويدين صانعتين ، ورجلين ساعيتين ، ثم علمه الفصاحة والبيان ، والصنائع والحرف ، والحرث والزراعة ، والبيع والشراء ، والتصرف في المعاش ، وطلب وجوه المنافع ، واتخاذ البنيان ، وطلب العزة والسلطان ، والأمر والنهي ، والرئاسة ، والتدبير والسياسة ، وسخر له ما في الأرض جميعا « 4 » : من الحيوان والنبات وجواهر المعادن ، فغدا متحكما عليها : تحكم الأرباب « 5 » متصرفا فيها تصرف الملاك ، متمتعا بها إلى حين .

--> ( 1 ) لعله أشار المجتاز إلى « ثندوته » ، وهي مكان « الثدي » من المرأة . ( 2 ) من قوله تعالى : وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ الآية 233 من سورة البقرة . ( 3 ) بمعنى : حكمة . ( 4 ) من قوله تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً الآية : 29 من سورة البقرة ، وقوله تعالى : وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ الآية : 13 من سورة الجاثية . ( 5 ) أرباب الشيء : المالكون له ، فرب الدار : مالكها ، ومنه قوله تعالى في سورة يوسف -