ابن عربي
62
مجموعه رسائل ابن عربي
وينبغي للإنسان التام ، ولمن طلب طريقته التي بها يصل إلى التمام : أن يجعل لشهواته ولذاته قانونا راتبا ، يقصد فيه الاعتدال ، ويجتنب السرف والإفراط ، ويعتمد من الشهوات واللذات المعتمدة له : ما كان من الوجوه المرتضاة المستحسنة ، ويأخذ نفسه بذلك ، ويحض عنها الطبع ، ويهجر أصحاب اللذات ومعاشرتهم ، وينقبض عن الخلفاء « 1 » ومخالطتهم ، ويشعر نفسه أن الشهوة عدو مكاشح « 2 » ، وخصم مكافح ، يريد أبدا ضرورة وأذيته ، ويعتمد شينه وفضيحته ، فيناصب شهوته بالعداوة ، ويكاشفها بالمعاندة ، ويقمع أبدا سورتها ، ويكسر دائما حدتها ، ويقهر سطوتها ، ويذلل - على التدريج - عزتها ، ويسكن - على الترتيب - فورتها . فإنه إذا فعل ذلك : كان خليقا أن يملك نفسه ، وتنقاد له شهوته ، وتنطبع بالعفة ، وتألف حسن السيرة . ومتى أرخى لشهوته عنانها ، وسمح لها في مرادها ، وأهمل سياستها ومراعاتها ، واستطالت وشمخت ، ولم تلبث أن توهن صاحبها ، وتقوده ، وتحمله على ما يسوؤه ، ويعره « 3 » فيصير بذلك بعيدا من التمام ، غير طامع في الكمال . وينبغي لمن يطلب التمام ، أن يعلم أنه لا سبيل له إلى بلوغ غرضه ما دامت اللذة عنده مستحسنة ، والشهوة مستحبة ، وهذه الحال صعبة جدا ، متعسرة على طالبها ، بعيدة المأخذ ، وهي على الملوك والرؤساء أصعب وأبعد ، لأن الملوك والرؤساء أقدر على اللذات ،
--> ( 1 ) يقصد خلفاء السوء ، أو الخلفاء والملوك الذين كانوا في عهده ، فإن أيديهم كانت أقرب إلى السيف منها إلى النعمة وقد أصابه منهم أذى كثير واللّه تعالى أعلم . ( 2 ) مكاشح : لاصق بكشحه ، والكشح : ما بين الخاصرة إلى الضلع . وهو تعبير عن شدة القرب . ( 3 ) أي يلصق به الفضيحة .