ابن عربي
53
مجموعه رسائل ابن عربي
والأولى هو التوسط في أنواع المآكل ، وأن يكون في الجنس الذي نشأ عليه الإنسان ، واعتاده وألفه ، على أن شهوة الطعام والنهم فيه ، وإن كان من الأخلاق الرديئة فهو أسهلها وأهونها ، وليس يكسب صاحبها من العار ما يكسبه محبة الشراب والمباضعة ، ومعاشرة النسوان ومصاحبة الأحداث ، المتهيئين للفواحش ، فإن ذلك في غاية القبح ، وشهوة المآكل أقل قبحا منه ، وأخف على فاعله ، وهو مع ذلك قبيح ، والاستهتار به وكثرة النهم والشره إليه مكروه ، وطريق التدرج إلى الاقتصاد في الطعام ، هو : أن يبادر ذو الشهوة إلى أي شيء وجده من المأكل ، فإن كان المشتهي الذي تاقت نفسه إليه حلوا فإلى أي حلاوة وجدها ، وإن كان غير ذلك ، فإلى ما يشابهه في الطعم فإنه إذا تناول من الطعام ما يشبهه ذلك المشتهي في الطعم ، فإن شهوته تسكن ، ونفسه تكف . وينبغي لمن أحب العفة أن يكون أبدا متيقظا ، ذاكرا لما يلحق الفاجر والنهم والشرة والمتهتك من القباحة والعار ، ويجعل ذلك ديدنه وشعاره ، فإن نفسه تبغض الشهوات ، وتشتاق إلى التعفف والقناعة ، وتطرب عند العدول عن الفواحش ، مع القدرة عليها ، وترتاح لما ينشر عنها ، ويبلغها عن الناس من الثناء الجميل على صاحبها . فهذا الذي ذكرنا هو : طريق رياضة النفس الشهوانية ، وتذليلها وقمعها ، وهو طريق الارتياض بالمعادات المحمودة المرضية ، فيما يتعلق بالشهوات واللذات . فأما النفس الغضبية فإن الطريق في قمعها وتذليلها هو : أن يصرف الإنسان همته إلى أن يتفقد السفهاء الذين يسرع إليهم الغضب في أوقات طيشهم وحدتهم وتسفههم على خصومهم ، وعقوبتهم لخدمهم وعبيدهم ، فإنه يشاهد منهم منظرا شنيعا ، يأنف منه الخاص والعام ، فإن تذكر ما شاهد في أوقات غضبه ، وعند جنابات خدمه