ابن عربي

51

مجموعه رسائل ابن عربي

فعله ، كفت النفس ، وإن استمر على هذه الحالة ألفت النفس هذه العادة ، وأنست بها ، واستوحشت مما سواها . وينبغي - لمن أراد قمع نفسه الشهوانية - أن يكثر من مجالسة الزهاد والرهبان « 1 » والنساك وأهل الورع والواعظين ، ويكرم مجالسة الرؤساء وأهل العلم ، فإن الرؤساء - وخاصة رؤساء الدين - يعظمون من كان معروفا بالعفة ويستزرون من كان فاجرا متهتكا . وملازمته لهذه المجالس تضطره إلى التصون ، والتعفف ، والتجمل لأولئك لئلا يستزروه ويغضوا منه ، وليلق برتبة من يعظم في المحافل . وينبغي له أيضا أن يديم النظر في كتب الأخلاق والسياسة ، وأخبار الزهاد والرهبان ، والنساك ، وأهل الورع ، ويجب عليه أن يتجنب مجالس الخلعاء والسفهاء ، والمتهتكين ، ومن يكثر الهزل واللعب . وأكثر ما يجب عليه : تجنب السكر ، فإن السكر من الشراب يثير نفسه الشهوانية ، ويقويها ، ويحملها على التهتك وارتكاب الفواحش ، والمجاهرة بها ، وبذلك إن الإنسان إنما يرتدع عن القبائح بالعقل والتمييز ؛ وإذا سكر عدم ذلك الذي كان يردعه عن الفعل القبيح ، فلا يبالي أن يرتكب كل ما كان يتجنبه في صحوه . فأولى الأسباب لمن طلب العفة هجر الشراب بالجملة ، وإن لم

--> ( 1 ) يقصد الشيخ ( رحمه اللّه ) بذكره الرهبان : الملتزمين منهم بحدود التوراة والإنجيل الّذين نزلا من عند اللّه - ولعل في قول اللّه تبارك وتعالى إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ إشارة إلى ذلك ، فإن قوله - كثيرا - يفيد أن فيهم أيضا أناسا لا يفعلون ذلك ، لأنه لم يقل - إن الأحبار والرهبان - بل عبر جلّ وعلا ب « كثيرا » وهذا النوع غير موجود الآن . واللّه أعلم .