ابن عربي

48

مجموعه رسائل ابن عربي

ويتبع الأخلاق المحمودة ، ويحمل نفسه على اعتيادها والتخلق بها فإن الناس إنما يتفاضلون على الحقيقة بفضائلهم ، لا كما يعتقد الجهال والعامة : أنهم يتفاضلون بأحوالهم وأموالهم ، وكثرة الذخائر والأعراض ، فإن أكثر الناس إنما يتفاخرون بالذخائر والأموال ، والآلات ، ويعظمون أبدا الأغنياء وذوي الأحوال ، ولا يترتب بعضهم على بعض إلّا بكثرة الأموال ، وبالجاه المكتسب بالمال . وليس كثرة الأموال ، مما تتفاضل بها أحوال الناس ، فأما نفوسهم ، فليس تكون أفضل من نفوس غيرهم ، بكثرة الأموال . وذلك أن الفاجر السفيه الجاهل الشرير - وإن حوى أموالا عظيمة - فليس يكون أفضل من الضعيف الحكيم العالم الخبير ، وإن كان فقيرا . بل إنما يكون بكثرة الأموال أغنى منه ، فأما في الفضل فليس يكون أحد أفضل من أحد إلّا بكثرة الفضائل فقط . فإن اجتمع للإنسان ، مع أخلاقه الجميلة والعادات المستحسنة - الغنى والثروة ، فلعمري أنه يكون أحسن حالا من الفاضل المقتر ، لأنه من سعادات الإنسان أيضا - وخاصة إذا كان فاضلا ، عادلا ، عفيفا ، وأنه يصرف ماله في وجوهه ، وينفقه في حقوقه ، ويتفقد به من يجب تفقده ، ويسعف به أهل المسكنة ، ولا يقعد عما يجب فأرق صاحبه ( و ) سقطت منزلة صاحبه من نفوس الناس ، وساوى العامة والسوقة لأنه إذا رأس بالمال المعظم له هو ماله : لا نفسه ، فإذا زال ذلك المال ، لم يبق له شيء يعظم من أجله « 1 » .

--> ( 1 ) يقصد الشيخ ( رحمه اللّه ورضي عنه ) : إنه إذا عظم الناس صاحب مال أو سلطان ، فإنما يعظمون ماله أو سلطانه ، بدليل أنه إذا ذهب المال أو السلطان رجع كما كان ، غير معظم ولا محترم - ولعل في الجملة سقطا أو تحريفا في الطبعة الأولى - واللّه أعلم .