ابن عربي

22

مجموعه رسائل ابن عربي

والنسك ، ويود أصحاب الفجور ، ويحب الفواحش ، ويكثر ذكرها ، ويلذ له استماعها ، ويسر بمعاشرة السفهاء ، ويغلب عليه الهزل ، وكثرة اللهو . وقد يصير من هذه حالة إلى الفجور ، وارتكاب الفواحش والتعرض للمحظورات . وربما دعته محبة اللذات إلى اكتساب الأموال من أقبح وجوهها ، وربما حملته نفسه على الغضب والتلصص ، والخيانة ، وأخذ ما ليس له بحق ، فإن اللذات لا تتم لا بالأموال والأعراض . فمحب اللذة إذا تعذرت عليه الأموال من وجهها ، جسرته شهوته على اكتسابها من غير وجهها . ومن تنتهي به شهواته إلى هذا الحد ، فهو أسوأ الناس حالا ، وهو من الأشرار ، الذين يخاف خبثهم ، ويستوحش منهم ، ويستروح إلى البعد عنهم ، ويصير واجبا على متولى السياسات قمعهم وتأديبهم ، وإبعادهم ونفيهم ، حتى لا يختلطوا بالناس ، فإن اختلاط من هذه صفته بالناس مضرة لهم ، وخاصة لاحداثهم ، فإن الحدث سريع الانطباع ، ونفسه مجبولة إلى الميل إلى الشهوات ، فإذا شاهد غيره مرتكبا لها ، مستحسنا للانهماك فيها ، مال هو أيضا إلى الاقتداء به ، وإلى مساعدة لذته . وأما من ملك نفسه الشهوانية وقهرها ، كان ضابطا لنفسه ، عفيفا في شهواته ، محتشما من الفواحش ، متوقيا من المحظورات محمود الطريقة في جميع ما يتعلق باللذات ، فالعلة الموجبة لاختلاف عادات الناس في شهواتهم ولذاتهم ، وعفة بعضهم ، وفجور بعضهم ، هو اختلاف أحوال النفس الشهوانية ، فإنها إذا كانت مهذبة مؤدبة ، كان صاحبها عفيفا ضابطا لنفسه ، وإذا كانت مهملة مرسلة ، مالكة لصاحبها : كان صاحبها : فاجرا شريرا .