ابن عربي

15

مجموعه رسائل ابن عربي

المذموم منها وتجنبه ، حتى يصير المرتاض به ديدنا « 1 » وعادة وسجية وطبعا ليهتدي به من نشأ على الأخلاق السيئة وألفها ، وجرى على العادات الردية وأنس بها . ونصف أيضا الإنسان التام المهذب الأخلاق ، والمحيط بجميع المناقب الجميلة ، وطريقته التي يصل بها إلى التمام ، وتحفظ عليه الكمال ، ليشتاق إلى صورته « 2 » من تشوق إلى الرتبة العليا ، ويحن إلى احتذاء سيرته من استشرف إلى الغاية القصوى . وقد ينتبه بما نذكره من كانت له عيوب قد اشتبهت عليه ، وهو مع ذلك يظهر أنه في غاية الكمال . فإن من هذه حالة إذا تكرر عليه ذكر الأخلاق المكروهة ، تيقظ لما فيه من ذلك وأنف « 3 » واجتهد في تركه والتنزه عنه . وكذلك إذا تصفح الأخلاق المحمودة ، من كان جامعا لأكثرها ، عادما لبعضها ، قدّم إلى التخلق بذلك البعض الذي هو عادم له ، وتاقت نفسه إلى الإحاطة بجميعها . وقد ينتفع بما نذكره أيضا من كان في غاية الكمال ، فإن المهذب الأخلاق الكامل الآلات ، الجامع المحاسن ، إذا مرّ بسمعه ذكر الخلائق الجميلة ، والمناقب النفيسة ، ورأى أن تلك هي عاداته وسجاياه ، كانت له بذلك لذة عجيبة ، وفرحة مبهجة ، كما أن الممدوح يسر إذا ذكر المادح نفسه ، ونشر فضائله . وأيضا فإنه إذا وجد أخلاقه مدونة في الكتب ، موصوفة بالحسن ، كان ذلك داعيا إلى الاستمرار على سيرته ، والإصرار على طريقته .

--> ( 1 ) الضمير راجع إلى الخلق ، أي يصير الخلق الذي عود نفسه عليه : عادة له وطبيعة . ( 2 ) أي إلى صورة الإنسان الكامل . ( 3 ) أنف : تنزه عنه .