ابن عربي

كتاب الشأن 3

رسائل ابن العربي ( دار احياء التراث )

( سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ ) فهو يفرغ لنا منا لأنا المقصودون من العالم لا غير فنحن روح العالم المنفوخ فيه بالنفخة الإلهية فالعالم جسم سوّاه اللّه وحسن خلقه وأكمل نشأته الظلمانية ثم نفخ فيه روحا من روحه فانفتق رتقه واستنار وجوده وانطردت ظلمته فنطق بالثناء والحمد فنحن الخلفاء فلنا دارت الأفلاك وبنا تنزلت الروحانيات والاملاك فكل يوم هو منا سبحانه في شأن فالشأن مسألة السائلين فإنه ما من موجود إلا وهو تعالى سائله لكن هم على مراتب في السؤال . فاما الذين لم يوجدهم اللّه عن سبب فإنهم يسألونه بلا حجاب لأنهم لا يعرفون سواه علما وغيبا ، ومنهم من أوجده اللّه تعالى عند سبب يتقدمه وهو أكثر العالم وهم في سؤاله على قسمين : منهم من لم يقف مع سببه أصلا ولا عرج عليه وفهم من سببه انه يدله على ربه لا على نفسه فسؤال هذا الصنف كسؤال الأول بغير حجاب . ومنهم من وقف مع سببه وهم على قسمين : منهم من عرف ان هذا سبب قد نصبه الحق وان وراءه مطلبا آخر فوقه وهو المسبب له ولكن ما تمكنت قدمه في درج المعرفة لموجد السبب فلا يسأله إلا بالسبب لأنه أقوى للنفس ، ومنهم من لم يعرف ان خلف السبب مطلبا ولا ان ثم سببا فالسبب عنده نفس المسبب فهذا جاهل فسئل السبب فيما يضطر اليه لأنه تحقق عنده انه ربه فما سأل إلا اللّه لأنه لو لم يعتقد فيه القدرة على ما سأله فيه لما عبده « 1 » وذلك لا يكون الا اللّه فهو ما سأل الا اللّه . ومن هذا المقام يجيبه الحق على سؤاله لأنه المسؤول ولكن بهذه المنابة فعلى هذا هو المسؤول بكل وجه وبكل لسان وعلى كل خال المشهود له بالقدرة المطلقة النافذة في كل شئ ، فما من جوهر فرد في العالم الا وهو سائله سبحانه في كل لحظة وأدق من اللحظة لكون العالم في كل لطيفة ودقيقة مفتقرا اليه ومحتاجا أولها في حفظه لبقاء عينه ومسك الوجود عليه بخلق ما به بقاؤه ، وليس

--> ( 1 ) في الأصل : عنده - كذا .