ابن عربي
كتاب الجلالة 3
رسائل ابن العربي ( دار احياء التراث )
شرف ذلك الاسم من حيث إن الجلالة قامت مقامه في ذلك الموطن بمهيمنيتها « 1 » على جميع الأسماء وخصوصيتها بالاحاطية فيها كالمذنب إذا قال يا اللّه اغفر لي فالجلالة ههنا نائبة مناب الغفار فلا يجيبه منها الا معنى الاسم الغفار وتبقى الجلالة مقدسة عن التقييد . ثم إنها غيب كلها ما فيها من عالم الشهادة شئ الا استرواح ما في وقت تحريكها بالضم في قولك اللّه لا غير فان الهو يظهر هناك وما عدا هذا فغيب مجردا عنى في اللفظ واما في الخط والرقم فغيب مطلق لا غير . قال واعلموا انها تحوى من الحروف على ستة أحرف وهي ا ل ل ا ه وأربعة منها ظاهرة في الرقم وهي الألف الأولية ولام بدء « 2 » الغيب وهي المدغمة ولام بدء « 2 » الشهادة وهي المنطوق بها مشددة وهاء الهوية . وأربعة منها ظاهرة في اللفظ وهي الف القدرة ولام بدء « 2 » الشهادة والف الذات وها الهو وحرف واحد منها لا ظاهر في اللفظ ولا في الرقم لكنه مدلول عليه وهو واو الهو في اللفظ وواو الهوية في الرقم وانحصرت حروفه واللام للعالم الأوسط وهو البرزخ وهو معقول والهاء الغيب والواو لعالم الشهادة ولما كان اللّه هو الغيب المطلق وكان فيه واو عالم الشهادة لأنها شفهية ولا يتمكن ظهورها في اللّه لهذا لم تظهر في الرقم ولا في اللفظ فكانت غيبا في الغيب وهذا هو غيب الغيب ومن هنا صح شرف الحس على العقل فان الحس اليوم غيب في العقل والعقل اليوم هو الظاهر فإذا كان غدا في الدار الآخرة كانت الدولة في الحظيرة « 3 » الإلهية وكثيب الرؤية للحس فنظرت اليه الابصار وكانت الغايات للابصار والبدايات للعقول ولولا الغايات ما التفت أحد إلى البدايات فانظر ما هنا من الاسرار وهو أن الآخرة اشرف من الدنيا قال اللّه تعالى ( تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ) وقال ( وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى ) . ثم إن الآخرة لها البقاء والدنيا لها الزوال والفناء ، والبقاء والديمومية أحسن واشرف من الذهاب والفناء .
--> ( 1 ) صف - لمهيمنيتها ( 2 ) صف - يد ( 3 ) صف - في الحضرة .