ابن عربي
96
الشجرة النعمانية ( شرح القونوي )
فمن كان له قلب وفطنة ، شغله طلب الحكمة عن البطنة ، ووقف على ما رمزناه ، وفك المعمى الذي لغزناه ، ولولا خوف إفشاء السرّ الإلهي لشافهنا به الوارد والصادر ، وجعلناه قوت المقيم وزاد المسافر . واللّه الكفيل بالهداية إلى سواء السبيل . ولو شاء لهداكم أجمعين . فصل [ بل وصل ولمّا نزّل عليّ الأسرار . . . ] بل وصل ولمّا نزّل عليّ الأسرار ، وسطعت عن مسام أشعته الأنوار ، اغتسلت بالماء القراح ، فأعكست الأنوار إلى محل الإلهام فجرت جداولها ، وأنهارها ، واشتد الريح الغربي فتموجت بحارها ، فدخل الموج بعضه إلى بعض ، وأسرع إلى ما أبرمه بالمبرم والنقض فلا تبصر إلّا سحابا مركوما ، وموجا مختوما ، في بحر لجّيّ يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض . فتأمل هذه الإشارات في نفسك ، واجمع عليها بقلبك وحسّك ، فإن الزمان شديد ، جبار عنيد ، وشيطان مريد . فانسلخ منهم انسلاخ النهار من الليل ، وإلّا لحقت بأصحاب الشرور والويل ، وقد نصحتك فاعلم ، وأوضحت لك السّبل فالزم . فأقامني الحق مقام البحر الذي علا موجه فطما ، ودخل بعضه في بعض فهما ، وأنا في حالة لا يعرفه إلّا من كابدها ، ولا يصفها إلّا من شاهدها كما قيل : لا يعرف الشّوق إلّا من يكابده * ولا الصّبابة إلّا من يعانيها فأقمت متكئا إلى اليمين ، ونزّلت قلبي في مقام عليين ، إذ هو محلّ الحق ، ومقعد الصدق ، وقد غمره الماء ، وأحاط به الأنواء ، فلم تزل أمواجه تصفق ، وأرياحه تزعج وتسبق إلى أن برقت لي منه بارقة كخرق الإبرة ، فرشح منها قدر رأس الشعرة ، رأيت فيها عبرة ، ولم ير إلّا شخصا ملكيا أنشأها نشأ فلكيا لاقترابه ، فعرفت أن ذلك الشخص جسمانية هذا الكتاب ، الذي أنزل الحق عليّ ، وأبرزه للعيان على يديّ ، وإنه قطرة من ذلك البحر المتموّج ، ورشحة من ذلك الموج الأوهج ، فانظر وتأمل أيها المولى الأكمل ، هذه الأسرار التي لا تتخلص بالفكر ، إذ هي من حضرة ما لا خطر على قلب بشر ، ولا وعتها أذن واعية ، ولا أدركتها حقيقة بصر .