ابن عربي
22
الشجرة النعمانية ( شرح القونوي )
والمعاني إذا تأملها الحاذق النحرير والعلامة الخبير وجدها الأنموذج الجامع والنور الساطع اللامع ، في أول آية منها جميع المعاني ما اشتملت عليه من الأسرار ، بل في نقطة الباء منها جميع حقائق الأدوار فهي كالأس للبناء ، وفيها بلوغ المنى لكونها نقطة الدائرة الوجودية ولمعة الأنوار اللاهوتية ، والدائرة بطرفيها قد دارت عليها ظاهرة بمراتبها كما رتبها العزيز الحكيم من عرش وفرش ومحو ونقش وتخطيط أقاليم وتقديم أقانيم ، فمن ذلك ما أشار إليه الكتاب العزيز بأنواع البيان وضروب التبيان في الإخبارات التي ظهرت في الآيات الشريفة والأحاديث المنيعة ، وكتب الشرع مشحونة بذلك وصدور عظماء الصحابة مملوءة من علوم أخبار الممالك ، ولم تزل الكمل من الصحابة والتابعين يعظمون قدر هذا العلم ويعلون منارته ويجلون مقداره كالإمام علي رضي اللّه عنه وكأبي هريرة وحذيفة ابن اليمان وأحزابهم ، مما سمع ودعي حتى انتهى الأمر إلى قطب دائرة المحققين وارث علوم الأنبياء والمرسلين الشيخ الأكبر والكبريت الأحمر سيدي محمد محيي الدين محمد العربي الحاتمي الطائي الأندلسي رضي اللّه عنه ونفعنا به ، فنظر في العلوم الحرفية والأسرار الجفرية نظر منصف غير متعسف ، وأفرد لكل قطر من الأقطار ما يليق به من الأخبار التي عليها المدار في سائر الأمصار بكل الأعصار ، فمن أجل ما استخرجه الإمام المذكور من جفر الجفور دائرة شريفة سماها الشجرة النعمانية في الدولة العثمانية تكلم فيها برموز جلية وأسرار خفية عليّة ، خصص بها مصرا دون غيرها من الأمصار ونبّه على ما يتصل بها وما ينفصل عنها من أخبار الديار وما يرد عليها من المسرات والمضار ، جعل الابتداء فيها من قران النحسين ووبال الاثنيين في المغربين ، والانتهاء إلى مقابلة المريخ كيوان في آخر درجة من الميزان ولم يسمح الزمان بمثل تلك الدائرة لكونها لكل الدوائر قاهرة بأخبار القاهرة . . . ولما أطلعني اللّه على ما فيها من الرموز والإشارات أحببت أن أشرحها شرحا كافيا يحل مشكاتها ويوضح مراداتها . . فاستخرت اللّه سبحانه وتعالى وما خاب من استخاره على ما جرت به عادة كل مستمد من الإمداد الرباني والفيض الصمداني ، واستعنت به تعالى وتوسلت إليه بأشرف خليقته وخير بريته صلى اللّه عليه وسلم في إتمام ذلك إنه ولي التوفيق ، واقتفيت أثر السلف الصالح في تكثير السواد بالمحبة التي هي غاية المراد وبالتشبه وهو من الأسباب الموصلة إلى طرق الرشاد ، ووضعت أساس هذا الشرح ورتبته على مقدمة وثلاث فصول وخاتمة واللّه تعالى ولي التوفيق المرجو المأمول من لطفه أن يسهل إيراده ويجعله خالصا لوجهه الكريم وأن ينفع به ممليه وسامعه . كما يسر تحصيل جوامعه إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير .