ابن عربي

89

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

اللّه ، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنّا مسلمون » في آيات من كتاب اللّه تعالى يدعوه إلى اللّه ، ويزهّده في ملكه ، ويرغّبه فيما رغّبه اللّه عنه من دار الآخرة ، ويحذّره بطش اللّه وبأسه . فقرأ قيصر الكتاب فقال : يا معشر الروم ، إني لأظنّ أن هذا الذي بشّر به عيسى ابن مريم عليه السلام ، ولو أعلم أنه هو لمشيت إليه حتى أخدمه بنفسي لا يسقط وضوءه إلا على يديّ . قالوا : ما كان اللّه ليجعل ذلك في العرب الأميين ، ويدعنا ونحن أهل الكتاب . قال : فاصل الهدى بيني وبينكم عندي الإنجيل ، ندعوا به فنفتحه ، فإن كان هو اتّبعناه ، وإلا أعدنا عليه خواتيمه كما كانت ، إنما هي خواتم مكان خواتم . قال : وعلى الإنجيل يومئذ اثنا عشر خاتما من ذهب ، ختم عليه هرقل ، فكان كل ملك يليه بعده ظاهر عليه بخاتم آخر ، حتى ألفي ملك قيصر وعليه اثنا عشر خاتم بخبر أولهم آخرهم : أنه لا يحلّ لهم أن يفتحوا الإنجيل في دينهم ، وأنه يوم يفتح يغيّر دينهم ، ويهلك ملكهم ، فدعا بالإنجيل ، ففضّ عنه أحد عشر خاتما حتى إذا بقي عليه خاتم واحد قامت الشمامسة والأساقفة والبطارقة ، فشقوا ثيابهم ، وصكّوا وجوههم ، ونتفوا رؤوسهم . قال : ما لكم ؟ قالوا : اليوم يملك ملك أبيك ، ويتغير دين قومك . قال : فاصل الهدى ، قالوا : لا تعجل حتى نسأل عن هذا ، ونكاتبه ، وتنظر في أمره ، فإنك قادر إن شاء اللّه تعالى على أن تفضّ هذا الخاتم فتنظر فيه ما تريد ، وإنك لا تقدر إن انفتق عليك ما تكره أن تردّه بعد فتقه . قال : فمن نسأل عنه ؟ قالوا : نسأل قوما كثيرا بالشام . فأرسل يبتغي قوما يسألهم ، قال : فجمع له أبو سفيان بن حرب وأصحابه ، فجاء قوم كلهم للّه ولرسوله عليه السلام عدو ، فقال : أخبرني يا أبا سفيان ، من هذا الرجل الذي بعث فيكم ؟ فلم يأل أن يصغّر أمره ما استطاع ، قال : أيها الملك ، لا يكبر عليك شأنه ، إنّا لنقول هو ساحر ، ونقول هو شاعر ، ونقول هو كاهن . قال قيصر : كذلك والذي نفسي بيده كان يقال للأنبياء قبله ، أخبرني موضعه فيكم . قال : أوسطنا سطة ، قال : كذلك يبعث اللّه كل نبي من أوسط قومه ، قال : أخبرني عن أصحابه ، قال : غلماننا وأحداثنا سنا والسفهاء ، أما رؤساؤنا فلم يتبعه منهم أحد . قال : أولئك واللّه أتباع الرسل منذ قط ، أما الملأ والرؤوس فتأخذهم الحمية ، قال : فأخبرني عن أصحابه هل يفارقونه بعد ما يدخلون في دينه سخطة له ؟ قال : ما يفارقه منهم أحد ، قال : فلا يزال داخل منكم في دينه ؟ قال : نعم ، قال : ما تزيدونني عليه إلا بصيرة ، والذي نفس بيده ليوشكن أن يغلب على ما تحت قدمي . يا معشر الروم ، هل إلى أن نجيب هذا الرجل إلى ما دعانا إليه ؟ ونسأله الشام أن لا