ابن عربي
83
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
حكمة بالغة قال عبد الملك بن مروان لسالم بن يزيد الفهمي : أي الزمان أدركت أفضل ؟ وأي ملوكه أكمل ؟ قال : أما الملوك فلم أر إلا ذامّا وحامدا ، وأما الزمان فرفع أقوام ووضع آخرين ، وكلهم يذم زمانه ، لأنه يبلي جديدهم ويهرم صغيرهم ، وكل ما فيه منقطع إلا الأمل ، قال : فأخبرني عن فهم ، قال : هم كما قال الشاعر : درج الليل والنهار على فه * م بن عمر فأصبحوا كالرميم وخلت دارهم فأضحت نعاما * بعد عزّ وثروة ونعيم وكذاك الزمان يذهب بالنا * س وتبقى ديارهم كالرّسوم قال : فمن يقول منكم : رأيت الناس مذ خلقوا وكانوا * يحبون الغنيّ من الرجال وإن كان الغني أقل خيرا * بخيلا بالقليل من النوال فلم أدر علام وفيم هذا * وما ذا يرتجون من المحال أللدنيا فليس هناك دنيا * ولا يرجى لحادثة الليالي قال : أنا وقد كتمتها . وروينا من حديث ابن ودعان ، عن أبي سعيد الآملي ، عن السيرافي ، عن أبي سعيد ، عن هبة اللّه بن عاصم ، عن محمد بن عبيد اللّه الخزاعي ، عن حماد بن سلمة ، عن أبي هارون ، عن أبي سعيد الخدري قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول لرجل يعظه : « ارغب فيما عند اللّه يحبك اللّه ، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس . الزاهد في الدنيا يربح قلبه وبدنه في الدنيا والآخرة ، وإن الراغب يتعب قلبه وبدنه في الدنيا والآخرة . ليجيئن أقوام يوم القيامة لهم حسنات كأمثال الجبال ، فيؤمر بهم إلى النار » ، فقيل : يا رسول اللّه ، أو يصلّون كانوا ؟ قال : « كانوا يصلّون ويصومون ويأخذون وهنا من الليل ، لكنهم كانوا إذا لاح لهم شيء من الدنيا وثبوا عليه » . وروينا من حديثه أيضا ، عن محمد بن علي ، عن إبراهيم بن محمد ، عن عبيد اللّه بن جرير ، عن معاذ بن أسد ، عن ابن المبارك ، عن إسماعيل بن عياش ، عن يحيى الطويل ، عن نافع بن عمرة قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « أيها الناس ، إن هذه الدار دار التواء لا دار استواء ، ومنزلة ترح لا منزلة فرح ، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء ، ألا وإن اللّه خلق الدنيا دار بلوى ، والآخرة دار عقبى ، فجعل بلوى الدنيا