ابن عربي

71

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

وأخرى على عاتقه ، ومعه زنبيل فيه نوى ، فقبّل بين عيني وقال : يا سري ، أعتقك اللّه من النار كما أعتقتني من رق الدنيا . فأومأت إلى صاحبي أن امض إلى أهله فأخبرهم ، فمضى فإذا زوجته جاءت ومعها ولده وغلمانه ، فدخلت فألقت ولده في حجره وعليه حلي وحلل ، وقالت له : يا سيدي ، أرملتني وأنت حي ، وأيتمت ولدك وأنت حي . فنظر إليّ وقال : يا سيدتي ، ما هذا وفاء ، ثم نزع ما على الصبي وقال : ضعي هذا في الأكباد الجياع ، والأجساد العارية ، فانتزعت ولدها منه ، فقال : ضيّعتم عليّ ليلتي ، بيني وبينكم اللّه . ثم خرج ، فضجّت الدار بالبكاء ، فقالوا : إن عدت تسمع له خبرا فأعلمنا . فلما كان بعد أيام إذا بعجوز قد جاءت فقالت : يا سري ، معي بالشوتيزية غلام يسألك الحضور ، فمضيت فإذا هو مطروح في ثوبه ، تحت رأسه لبنة ، فسلّمت عليه ، ففتح عينيه وقال : يا سري ، ترى تغفر تلك الجنايات ؟ فقلت : نعم . فقال : يغفر لمثلي ؟ قلت : نعم ، قال : أنا غريق ، قلت : هو منجّي الغرقى ، قال : عليّ مظالم ، قلت : إن اللّه يعوّض المظلومين . فقال : يا سري ، معي دراهم من لقط النوى ، فإذا أنا متّ فاشتر لي ما أحتاج إليه وكفنّي ، ولا تعلم أهلي لئلا يغيّروا كفني بحرام . قال السري : فجلست عنه ، ففتح عينيه وقال : لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ ثم مات . فأخذت الدراهم ، واشتريت ما يحتاج إليه ، وإذا الناس يهرعون ، فقلت : ما الخبر ؟ فقيل : مات وليّ من أولياء اللّه تعالى ، ونريد أن نصلي عليه ، فصلّينا عليه ودفنّاه . فلما كان بعد مدة بعث أهله إليّ يستعلمون خبره ، فأخبرتهم بموته . فأقبلت امرأته باكية ، وسألتني أن أريها قبره ، فقلت : أخاف أن تغيّروا كفنه ، فقالت : لا واللّه ، فأريتها القبر ، فبكت وأمرت بإحضار شاهدين ، فأحضرتهما ، وأعتقت جواريها ، ووقفت عقارها ، وتصدّقت بمالها ، ولزمت قبره حتى ماتت . دخل على شيخنا الأديب ابن سعد بمسجده بإشبيلية فتى وسيم الوجه به لثغ يردّ السين ثاء ، وكان اسمه عيسى ، فقال له الأستاذ : ما اسمك يا بنيّ ؟ فقال : عيثا ، فقال الشيخ : وأغيد كالقضيب معطفه * يحكي لنا في الكلام تخنيثا سألته والسؤال يخجله * ما اسمك يا بدر قال لي عيثا ودخل شاب آخر به لثغ يردّ الراء غينا على الأديب الملقب بالأبيض ، فجرى بين الصبي وبين الأبيض حديث إلى أن قال له : ما غذاؤك ؟ فقال الصبي : القاند والسكغ ، فطرب الأبيض وقال في الحين : وألثغ ما مثله ألثغ * كأنه من فضة مفرغ