ابن عربي

58

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

ولا أثر بعد عين ، ولا شك بعد يقين ، مدّ يدك فأنا أشهد أن لا إله إلا اللّه وأنك محمد رسول اللّه . قال : فآمن الجارود ، وأمن من قومه كل سيد ، وسرّ بهم النبي صلى اللّه عليه وسلم سرورا ، وابتهج حبورا ، وقال : « يا جارود ، هل في جماعة وفد عبد القيس من يعرف لنا قسا ؟ » ، قال : كلنا نعرفه يا رسول اللّه ، وأنا من بين قومي كنت أقفو أثره ، وأطلب خبره ، كان قسا سبطا من أسباط العرب ، صحيح النسب ، فصيحا إذا خطب ، ذا شيبة حسنة ، عمره سبعمائة سنة ، يتقفر القفار ، ولا تكنّه دار ، ولا يقرّه قرار ، يتحسى في تقفره بيض النعام ، ويأنس بالوحوش والهوام ، يلبس المسوح ، ويتبع السياح على منهاج المسيح ، لا يقرّ من الوجدانية ، مقرا للّه بالوحدانية ، تضرب بحكمته الأمثال ، وتكشف به الأهوال ، وتتبعه الأبدال ، أدرك رأس الحواريين سمعان ، فهو أول من تأله من العرب ، وأعبد من تعبّد في الحقب ، وأيقن بالبعث والحساب ، وحذر سوء المنقلب والمآب ، ووعظ بذكر الموت ، وأمر بالعمل قبل الفوت ، الحسن الألفاظ ، الخاطب بسوق عكاظ ، العالم بشرق وغرب ، ويابس ورطب ، وأجاج وعذب ، كأني أنظر إليه ، والعرب بين يديه ، يقسم بالرب الذي هو له ، ليبلغن الكتاب أجله ، وليوفين كل عامل عمله . وأنشأ يقول : هاج بالقلب من هواده ادكار * وليال خلالهنّ نهار ونجوم يحثها قمر اللي * ل وشمس في كل يوم تدار ضوأها يطمس العيون وإرعا * د شديد في الخافقين مطار وغلام وأشمط ورضيع * كلهم في التراب يوما يزار وقصور مشيدة حوت الخي * ر وأخرى خلت فهنّ قفار وكثير مما يقصّر عنه * حوشة الناظر الذي لا يحار والذي قد ذكرت دل على الل * ه نفوس لها هدى واعتبار فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « على رسلك يا جارود ، فلست أنساه بسوق عكاظ على جمل له أورق ، وهو يتكلم بكلام مونق ، ما أظن أني أحفظه ، فهل فيكم من يحفظ لنا منه شيئا يا معاشر المهاجرين والأنصار ؟ » ، فوثب أبو بكر رضي اللّه عنه قائما وقال : يا رسول اللّه ، إني أحفظه وكنت حاضرا ذلك اليوم بسوق عكاظ حين خطب فأطنب ، ورغّب ورهّب ، وحذّر وأنذر ، وقال في خطبته : أيها الناس ، اسمعوا وعوا ، وإذا وعيتم شيئا فانتفعوا ، إنه من عاش مات ، ومن مات فات ، وكل ما هو آت آت ، مطر ونبات ، وأرزاق وأقوات ، وآباء