ابن عربي
34
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
بألف ألوف وحرابة * كمثل السماء قبيل المطر بضمر صباحهم المقربات * ينفون من قاتلوا بالذفر سعالى مثل عديد التراب * تيبّس منهم رطاب الشجر يعني من أنفاسهم . وذات العبر : الداهية التي فيها عبر العين ، أي سخنتها . وصار ملك اليمن بين أرباط وأبرهة ، وكان أرباط فوق أبرهة . فأقام أرباط سنتين في سلطانه لا ينازعه أحد ، ثم نازعه أبرهة الحبشي الملك ، وكان في جند من الحبشة ، فانحاز إلى كل واحد من الحبشة طائفة ، ثم سار أحدهما على الآخر ، وكان لأرباط في صنعاء وأحوازها ، وكان لأبرهة الجند وأحوازها ، فلما تقارب الناس ودنا بعضهم من بعض ، أرسل أبرهة إلى أرباط : إنك لا تصنع شيئا بأن تلقي الحبشة بعضهم ببعض فتفني ما بيننا فيضعف أمرها ، فابرز إليّ بنفسك ، وأبرز إليك ، فمن ظهر على صاحبه منّا كان الأمر له . فقال أرباط : أنصفت . وكان أرباط طويلا في الرجال وسيما عظيم الخلق . وكان أبرهة قصيرا دحداحة ، وكان ذا دين في النصرانية ، وعقل وحلم . فجعل أبرهة خلفه عبدا له يحمي ظهره يقال له عتودة ، فلما دنا كل واحد من صاحبه رفع أرباط الحربة يريد نافوخ أبرهة فوقعت الحربة على جبهة أبرهة فشرمت حاجبه وعينه وأنفه وشفتيه ، فبذلك سمي أبرهة الأشرم ، وحمل غلام أبرهة عتودة على أرباط من خلف أبرهة فزرقه بالحربة فقتله . فانصرف جند أرباط إلى أبرهة واجتمعت عليه الحبشة باليمن . وكان ما وقع من هذا الأمر كله بين أبرهة وأرباط عن غير علم ولا أمر من النجاشي ملك الحبشة ، وكان مسكنه باكسوم من بلاد الحبشة ، فلما بلغه ذلك غضب غضبا شديدا وقال : عدا على أميري بغير أمري فقتله ، وما كنت أمّرته ، ثم حلف النجاشي لا يدع أبرهة حتى يطأ أرضه ، ويجزّ ناصيته . فلما بلغ ذلك أبرهة حلق رأسه ، ثم ملأ جرابا من تراب أرض اليمن ، ثم بعث به إلى النجاشي ، وكتب إليه : أيها الملك ، إنما كان أرباط عبدك ، وأنا عبدك ، اختلفنا في أمرك وكلنا طاعة لك ، إلا أني كنت أقوى على أمر الحبشة منه ، وأضبط وأسوس لهم منه ، وقد حلقت رأسي كله حين بلغني قسم الملك ، وبعثت به إليه مع جراب من تراب أرضي ليضعه تحت قدميه ، فيبرّ بذلك قسمه . فلما انتهى ذلك إلى النجاشي رضي عنه ، وكتب إليه : أن أثبت بأرض اليمن حتى يأتيك أمري . فأقام أبرهة باليمن إلى أن هلك . وقد ذكرت قصة هلاكه في حديث الفيل . روينا من حديث ابن أبي الدنيا ، عن القاسم بن هاشم ، عن علي بن عباس ، عن إسماعيل بن عيّاش عن ضمضم بن زرعة ، عن شريح بن عبيد أن بني إسرائيل لم يكن فيهم