ابن عربي
23
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
سهل بن عبد اللّه قال : نمت ليلة النصف من شعبان عندما غلب عليّ السهر ، فرأيت جبريل عليه السلام والناس يعرضون عليه ، فقدم إليه رجل ، فقال للملائكة الموكلين : كيف وجدتم هذا العبد ؟ قالوا : عبد سوء أنعم عليه فما شكر ، وابتلي فما صبر ، وعوهد فخان وغدر ، وأمر فما أطاع ولا امتثل ، وسوّف نفسه بعسى ولعلّ ، يتبرم لقضاء المولى ، ويتحكم فيما يهوى ، ويقول : هذا أحق وهذا أولى . قل محمد بن قاسم : لما انتهى عمر بن عبد المجيد حين حدّثني بهذا الحديث إلى قوله : وهذا أولى ، بكى وقال : فهذه صفتي التي عرفتها ، وحالتي التي ألفتها ثم أنشد فلا أدري أمن قبله أم متمثلا : ساعدوني في بكائي * واسمعوا وصفي لحالي كل ذنب هو عندي * وهو ذخري وهو مالي وأنا عن قبح هذا * في غرور واشتغال هل لمثلي من عزاء * ضاق بي وجه احتيالي ثم رجع إلى الحديث قال : قال سهل : فأمر جبريل عليه السلام ملكا ، فأخذ بيديه ، ونادى بين الملائكة الموكلين به عليه : هذا عبد خلع ربقة العبودية من أعماله ، فخلّوا بينه وبين أشكاله . قال سهل : ثم قدم إليه رجل آخر ، فقال للملائكة الموكلين به : كيف وجدتم هذا العبد ؟ قالوا : هذا عبد صالح شكر اللّه على النّعما ، وصبر على البلوى ، وامتثل أمر المولى ، وجانب الخيانة والجفا ، واتّبع سنّة المصطفى ، ثم أمر ملكا فأخذ بيديه ، ونادى بين الملائكة عليه : هذا عبد لزم آداب العبودية فاعرفوه ، فإن نزل به أمر فلا تخذلوه . ومن باب قول اللّه عز وجل : وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ قالت العلماء : إذا استخار الرجل ربه ، واستشار نصيحه واجتهد ، فقد قضى ما عليه ، ويقضي اللّه في أمره ما يحبّ . وإياك ومشاورة النساء ، فإن رأيهن إلى أفن ، وعزمهن إلى وهن . وقال بعضهم : حسن المشورة من المشير قضاء حق النعمة . حكمة إذا قدرت فاصفح ، وإذا استشرت فانصح ، النصيحة في الملا تقريع ، يقال : من وعط أخاه شرا زانه ، ومن وعظه جهارا شانه . قال بعض الحكماء : نصف عقلك مع أخيك فاستشره ، فإن الاعتصام بالمشورة ، لأنها تقيم اعوجاج الرأي ، وقلّ من هلك إلا برأيه ، ولا يغرّنك قول من قال : لو لم يكن في