ابن عربي
44
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
من مزدلفة ليلا ، فأذن لهما ولأم سلمة في ذلك اليوم ، وللنساء والصغار في ذلك اليوم ، بعد وقوفهم جميعهم بمزدلفة ، وذكرهم اللّه تعالى بها . إلا أنه عليه السلام أذن للنساء في الرمي بليل ، ولم يأذن للرجال في ذلك ، لا لضعفائهم ولا لغير ضعفائهم ، وكان ذلك اليوم يوم كونه عند أم سلمة ، فلما صلى الصبح صلى اللّه عليه وسلم بمزدلفة أتى المشعر الحرام بها ، فاستقبل القبلة ، فدعا اللّه عز وجل ، وهلّل وكبّر ووحّد ، ولم يزل واقفا حتى أسفر جدا ، وقبل أن تطلع الشمس . فدفع عليه السلام حينئذ من مزدلفة ، وقد أردف الفضل بن العباس ، وانطلق أسامة على رجليه في سياق فريس ، وهنالك سألت الخثعمية النبي صلى اللّه عليه وسلم الحج عن أبيها الذي لا يطيق الحج ، فأمرها بأن تحج عنه . وجعل عليه السلام يصرف بيده وجه الفضل بن العباس عن النظر إليها وإلى النساء ، وكان الفضل أبيض وسيما . وسأله أيضا رجل عن مثل ما سألته عنه الخثعمية ، فأمره عليه السلام بذلك ، ونهض عليه السلام يريد منى ، فلما أتى بطن محسّرة حرك ما فيه ، وسلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى ، حتى أتى منى ، فأتى الجمرة التي عند الشجرة ، وهي جمرة العقبة ، فرماها عليه السلام من أسفلها بعد طلوع الشمس من اليوم المؤرخ ، بحصى التقطها له عبد اللّه بن عباس عن موقفه الذي رمى فيه ، مثل حصى الخزف ، وأمره بمثلها ، ونهى عن أكبر ، وعن الغلوّ في الدين . فرماها عليه السلام وهو على راحلته بسبع حصيات كما ذكرنا ، يكبّر مع كل حصاة منها . وحينئذ قطع عليه السلام التلبية ، وبلال وأسامة أحدهما يمسك خطام ناقته عليه السلام ، والآخر يظله بثوبه من الحر . وخطب الناس عليه السلام في اليوم المذكور ، وهو يوم النحر بمنى خطبة ، كرر فيها أيضا تحريم الدماء والأموال والأعراض والإيثار . وأعلمهم عليه السلام فيها بحرمة يوم النحر ، وحرمة مكة على جميع البلاد ، وأمر بالسمع والطاعة لمن قاد ، فلعله لا يحج بعد عامه ذلك . وأعلمهم بتمسكهم بكتاب اللّه عز وجل ، وأمر الناس بأخذ مناسكهم . وأنزل المهاجرين والأنصار منازلهم ، وأمر أن لا يرجعوا بعده كفارا ، وأن لا يرجعوا بعده ضلالا ، يضرب بعضهم رقاب بعض . وأمر بالتبليغ عنه ، وأخبر أن ربّ مبلّغ أوعى من سامع .