ابن عربي
40
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
ولما فتح اللّه مكة حج بالناس منه ثمان ، عتاب بن السويد ، وحج في سنة تسع أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه . ثم إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حج بالناس سنة عشر على ما ثنا به عبد الحق الأزديّ الإشبيلي كتابة . وثنا أبو الوليد جابر بن أبي أيوب الحضرمي ، مشافهة بمسجد الوادي بإشبيلية ، قال : ثنا أبو الحسن شريح بن محمد بن شريح قال : قال أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد : لما أراد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يحج ، أعلم الناس أنه حاج ، ثم أمرنا بالخروج معه . فأصاب الناس بالمدينة جدري أو حصبة منعت من شاء اللّه أن يمنع من الحج ، فأعلم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن عمرة في رمضان تعدل حجة ، وخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عامدا إلى مكة عام حجة الوداع التي لم يحج من المدينة منذ هاجر عليه السلام غيرها ، فأخذ على طريق الشجرة ، وذلك يوم الخميس لستّ بقين من ذي القعدة سنة عشر نهارا ، بعد أن ترجل ، وادّهن بعد أن صلى الظهر بالمدينة ، فصلى العصر من ذلك اليوم بذي الحليفة ، وبات ليلة الجمعة ، وطاف تلك الليلة على نسائه ، ثم اغتسل ، ثم صلى الصبح بها ، ثم طيّبته عائشة رضي اللّه عنها بيدها بدريرة وبطيب فيه مسك ، ثم أحرم ولم يغسل الطيب ، ثم لبّد رأسه ، وقلّد بدنته نعلين ، وأشعرها في جانبها الأيمن ، وسالت الدم عنها ، وكانت هدي تطوّع ، وكان عليه السلام ساق هدي نفسه ، ثم ركب راحلته ، وأهلّ حين انبعثت به راحلته من عند مسجد ذي الحليفة بالقران ، بالعمرة والحج معا ، وذلك قبل الظهر بيسير ، وقال للناس بذي الحليفة : « من أراد منكم أن يهلّ بحج وعمرة فليهلّ ، ومن أراد أن يهلّ بعمرة فليهلّ » . وكان معه عليه السلام من الناس جموع لا يحصيها إلا خالقها ورازقها عز وجل ، ثم لبّى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : « لبيك اللهم لبيك لا شريك لك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك » . وقد روي أنه عليه السلام زاد على ذلك فقال : « لبيك إله الحمد » ، وأتاه جبريل عليه السلام وأمره أن يأمر أصحابه أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية . وولدت أسماء بنت عميس الخثعمية ، زوجة أبي بكر الصدّيق رضي اللّه عنه ، محمد بن أبي بكر ، وأمرها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن تغتسل ، وتسفر بثوب ، وتحرم ، وتهلّ ، ثم نهض عليه السلام وصلى الظهر بالبيداء ، واستهل هلال الحجة ليلة الخميس اليوم الثامن