ابن عربي
4
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
ثم لا يذكر لنا التاريخ بعد ذلك شيئا ذا بال عن شباب محيي الدين ، ولا عن شيوخه ، ومقدار ما حصل من العلوم والفنون ؛ وإنما هو يحدثنا أنه مرض في شبابه مرضا شديدا . وفي أثناء شدة الحمى رأى في المنام أنه محوط بعدد ضخم من قوى الشر ، مسلحين يريدون الفتك به . وبغتة رأى شخصا جميلا قويا مشرق الوجه ، حمل على هذه الأرواح الشريرة ففرّقها شذر مذر ، ولم يبق منها أي أثر ، فيسأله محيي الدين من أنت ؟ فقال له أنا سورة يس . وعلى أثر هذا استيقظ فرأى والده جالسا إلى وسادته يتلو عند رأسه سورة يس . ثم لم يلبث أن برئ من مرضه ، وألقي في روعه أنه معدّ للحياة الروحية ، وآمن بوجوب سيره فيها إلى نهايتها ففعل . وفي طليعة هذا الشباب المزهر بفضل ثروة أسرته تزوج بفتاة تعتبر مثالا في الكمال الروحي والجمال الظاهري وحسن الخلق ، فساهمت معه في تصفية حياته الروحية ، بل كانت أحد دوافعه إلى الإمعان فيها . وفي هذه الأثناء كان يتردد على إحدى مدارس الأندلس التي تعلم سرا مذهب الأمبيذوقلية المحدثة المفعمة بالرموز والتأويلات الموروثة عن الفيثاغورية والأورفيوسية والفطرية الهندية . وكانت هذه المدرسة هي الوحيدة التي تدرس لتلاميذها المبادئ الخفية والتعاليم الرمزية منذ عهد ابن مسرة المتوفى بقرطبة في سنة 319 ه - 931 م والذي لم يعرف المستشرقون مؤلفاته إلّا عن طريق محيي الدين . وكان أشهر أساتذة تلك المدرسة في ذلك القرن ابن العريف المتوفى في سنة 1141 م فلم يره محيي الدين ، ولكنه تتلمذ على منتجاته وعلى رواية تلميذه المباشر وصديق محيي الدين الوفي أبي عبد اللّه الغزال . ومما لا ريب فيه أن استعداده الفطري ونشأته في هذه البيئة التقية ، واختلافه إلى تلك المدرسة الرمزية ، كل ذلك قد تضافر على إبراز هذه الناحية الروحية عنده في سن مبكرة وعلى صورة ناصعة لا تتيسر للكثيرين ممن تشوب حياتهم الأولى شوائب الغرائز والنزوات . فلم يكد يختم الحلقة الثانية من عمره حتى كان قد انغمس في أنوار الكشف والإلهام ، ولم يشارف العشرين حتى أعلن أنه جعل يسير في الطريق الروحاني بخطوات واسعة ثابتة ، وأنه بدأ يطلع على أسرار الحياة الصوفية ، وأن عددا من الخفايا الكونية قد تكشف أمامه ، وأن حياته منذ ذلك العهد المبكر لم تعد سوى سلسلة من البحث المتواصل عما يحقق الكمال لتلك الاستعدادات الفطرية التي تنير أضواؤها جوانب عقله وقلبه . ولم يزل عاكفا على ذلك النشاط الروحاني حتى ظفر بأكبر قدر ممكن من الأسرار . ولم تكن آماله في التغلغل إلى تلك الأسرار وبحوثه عن وسائلها الضرورية تقف عند حد ، لأنه أيقن منذ نعومة أظفاره بأنه مؤمن بمبادئ عقيدة حقيقية أزلية مرت بجميع الأزمان الكونية ، وطافت بكل الأجناس البشرية متممة ما فيها من نقص وقصور ، وأنها جمعت كل الروحانيات في الوحدة الفطرية التي تتمثل من حين إلى آخر في صور تنسكية رفيعة تبدو