ابن عربي
322
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
ولك ؟ أنا رجل من المسلمين ، فسار حتى دخل المسجد ، فصعد المنبر فقال : إني ابتليت بهذا الأمر من غير رأي كان مني فيه ، وقد خلعت ما في أعناقكم من تبعتي ، فاختاروا لأنفسكم ، فصاح الناس : قد اخترناك ، فقال : أوصيكم بتقوى اللّه ، فإن تقوى اللّه خلف من كل شيء ، وليس من تقوى اللّه خلف ، واعملوا لآخرتكم ، فإن من عمل لآخرته كفاه اللّه أمر دنياه ، وأصلحوا سرائركم يصلح اللّه الكريم علانيتكم ، وأكثروا من ذكر الموت ، وأحسنوا الاستعداد قبل أن ينزل بكم ، وإن من تذكر من آبائه فيما بينه وبين آدم أبا حيا لمعرف له في الموت . ثم نزل فدخل وأمر بالستور . ثم ذهب يتبوأ مقيلا ، فقال له ابنه : تقبل ولا ترد المظالم ؟ فقال : يا بني ، إني سهرت البارحة فإذا صليت الظهر رددتها ، فقال : من لك أن تعيش إلى الظهر ؟ فقبّل بين عينيه وقال : الحمد للّه الذي أخرج من صلبي من يعينني على ديني ، فخرج وأمر مناديه أن ينادي : كل من له مظلمة فليرفعها ، فردّ الكل ، فقال : أيها الناس ، إني أنساكم هاهنا ، وأذكركم في بلادكم ، فمن ظلمه عامله فلا إذن له عليّ ، وإني واللّه ما أنا بخيركم ، ولكني أثقلكم محلا . ثم خيّر جواريه فقال : إنه قد نزل بي أمر شغلني عنكن ، فمن أحب أن أعتقه أعتقته ، ومن أراد أن أمسكه أمسكته ، ولم يكن مني إليها شيء . قالت زوجته فاطمة : ما أعلم أنه اغتسل من جنابة ولا من احتلام منذ ولّي الخلافة إلى أن مات . وقوموا ثيابه جميعا حين استخلف فكانت اثني عشر درهما . وقيل لزوجته : اغسلي قميصه ، قالت : واللّه ما يملك غيره . كتاب إلى عامله : لا تقيد أحدا بقيد يمنع عن تمام الصلاة . وكتب عمر بن عبد العزيز إلى يزيد بن عبد الملك : إياك أن تدركك الصرعة عند العزّة ، فلا تقال العثرة ، ولا تمكن من الرجعة ، ولا يحمدك من خلفت بما تركت ، ولا يعذرك من تقدم عليه بما به اشتغلت والسلام . أخبرنا به محمد بن إسماعيل ، عن عبد الرحمن بن علي ، عن علي بن محمد ، عن أبي عمرو ، عن محمد بن الحسن ، عن عبد الملك بن بشران ، عن أبي بكر الآجري ، عن أبي صاعد ، عن الحسين بن الحسن ، عن ابن المبارك ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، عن جابر ، أن عمر بن عبد العزيز ، وذكره . وروينا من حديث ابن أبي الدنيا ، عن محمد بن الحسين ، عن شهاب بن عياد ، عن سويد الكلبي ، أن ذرّ بن حبيش ، كتب إلى عبد الملك بن مروان كتابا يعظه ، وكان في آخر كتابه : ولا يطمعنك يا أمير المؤمنين في طول الحياة ما يظهر من صحة بدنك ، فأنت أعلم بنفسك ، واذكر ما تكلم به الأولون . إذ الرجال ولدت أولادها * وبليت من كبر أجسادها