ابن عربي
320
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
لا تأخذه في اللّه لومة لائم ، وأراد الوليد الحج فاتخذ قبة من ساج ليجعلها حول الكعبة ليطوف هو ومن أحب من أهله ونسائه فيها ، وكان فظا مجبرا ، فأراد ابن عمه أن يطوف فيها حول الكعبة ، ويطوف الناس من وراء المقصورة ، فحملها على الإبل من الشام ، ووجّه معها قائدا من قوّاده في ألف فارس من الشام ، وأرسل معه مالا يقسمه في أهل المدينة ، فقدم بها فنصبت في مصلّى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ففزع من ذلك أهل المدينة ، فاجتمعوا ، فقالوا : إلى من نفزع في هذا الأمر ؟ فقالوا : إلى سعد بن إبراهيم ، فأتاه الناس فأخبروه الخبر ، فأمرهم أن يضرموها بالنار ، فقالوا : لا نطيق ذلك ، معه ألف فارس من الشام ، فدعا مولى له فقال : عليّ بدرعي ، فجاءه بدرع جده عبد الرحمن بن عوف التي شهد بها بدرا ، فصبها عليه ، ثم دعا ببغلته فركبها ، فما تخلف عنه يومئذ قرشي ولا أنصاري حتى أتاها ، فقال : عليّ بالنار ، فأتي بنار فأضرمها فيها ، فغضب القائد ، فقيل له : هذا قاضي أمير المؤمنين ومعه الناس ولا طاقة لك بهم فانصرف راجعا إلى الشام . قال ابن كيسان : وشبع أهل المدينة من الناطف مما اكتسبوا من حديدها ، فلما بلغ ذلك الوليد كتب إليه : ولي القضاء رجلا وأقدم علينا ، فولّى القضاء رجلا ، وركب حتى أتى الشام ، فقام ببابه شهرا لا يؤذن له حتى نفذت نفقته ، وأضربه طول المقام ، فبينما هو ذات عشية في المسجد إذا هو بفتى سكران ، فقال : من هذا ؟ قالوا : خال أمير المؤمنين سكران يطوف في المسجد ، فقال لمولى له : هلم السوط ، فأتاه بسوطه فقال : عليّ به ، فضربه في المسجد ثمانين سوطا ، وركب بغلته ومضى راجعا إلى المدينة . فأدخل الفتى على الوليد مجلودا ، فقال : من فعل به هذا ؟ قالوا : قاضيك على المدينة سعد بن إبراهيم ، فقال : عليّ به ، فلحق على مرحلة فدخل عليه فقال : يا أبا إسحاق ، ما ذا فعلت بابن أختك ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، إنك ولّيتنا أمرا من أمورك ، فأتى حقا للّه ضائعا سكران ، يطوف في المسجد وفيه الوفود ووجوه الناس ، فكرهت أن يرجع الناس عنك بتعطيل ، فأقمت عليه حدّه . فقال : جزاك اللّه خيرا ، وأمر له بمال ، ولم يذاكره شيئا من أمر حرق القبة . حدثنا محمد بن إسماعيل ، ثنا عبد الرحمن بن علي ، نبّأ محمد بن الحسين ، ثنا عبد الملك بن بشران ، قال : أنبأ أبو بكر الآجريّ ، نبأ ابن صاعد ، نبأ الحسين بن الحسين ، أنا ابن المبارك ، انا هشام ، قال : حدّثني مولى مسلمة بن عبد الملك ، قال : حدّثني مسلمة بن عبد الملك ، قال : دخلت على عمر بن عبد العزيز بعد صلاة الفجر في بيت كان يخلو فيه بعد الفجر فلا يدخل عليه أحد ، فجاءته جارية بطبق فيه تمر صيحاني ، وكان يعجبه التمر ، فوضع في كفه منه فقال : يا مسلمة ، أترى لو أن رجلا أكل من هذا ، ثم شرب عليه الماء ، فإن الماء على التمر طيّب ، فكان يجزئه إلى الليل ؟ قال : فقلت : لا أدري ، فرفع أكثر منه ،