ابن عربي
315
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
ثمانين ، عن الزهري ، قال : نظر سليمان بن عبد الملك إلى رجل يطوف بالكعبة له تمام وكمال ، فقال له : يا ابن شهاب ، من هذا ؟ قلت : طاوس اليماني ، قد أدرك عدة من الصحابة . فأرسل إليه سليمان ، فأتاه ، فقال له : لو حدثتنا . قال : حدثني أبو موسى الأشعري ، قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن أهون الخلق على اللّه من ولّي من أمر المسلمين شيئا فلم يعدل فيهم » . فتغير وجه سليمان ، فأطرق طويلا ، ثم رفع رأسه فقال : لو حدثتنا . قال : حدثني رجل من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقال ابن شهاب : ظننت أنه أراد عليا . قال : دعاني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى طعام في مجلس من مجالس قريش . قال : « إن لكم على قريش حقا ، ولهم على الناس حقا ، ما استرحموا فرحموا ، واستحكموا فعدلوا ، وائتمنوا فأدوا . فمن لم يفعل ذلك لم يقبل اللّه منه صرفا ولا عدلا » . فتغير وجه سليمان ، فأطرق طويلا ، ثم رفع رأسه ، فقال : لو حدثتنا . فقال : حدثني ابن عباس أن آخر آية نزلت : وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ . حدثنا محمد بن إسماعيل ، نبأ عبد الرحمن بن علي ، نبأ علي بن محمد بن أبي عمر ، نا محمد بن الحسن بن أحمد ، عن عبد الملك بن بشران ، عن محمد بن الحسين الآجريّ ، حدثني عمرو بن محمد بن بكار القافلانيّ ، عن إبراهيم بن هانئ النيسابوري ، عن أبي صالح كاتب الليث بن سعد ، قال : أخذتها من الليث بن سعد رسالة الحسن بن أبي الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز . أما بعد ، أيها الأمير ، إن الدنيا دار ظعن وليست بدار إقامة ، وإنما أهبط آدم من الجنة عقوبة . وقد يحسب من لا يدري ثواب اللّه أنها ثواب ، ومن لا يدري عقاب اللّه أنها عقاب . ولها في كل حين صرعة ، وهي تهين من أكرمها ، والغبي فيها فقير . فكن فيها يا أمير المؤمنين كالمداوي جرحه يصبر على شدة الدواء مخافة طول البلاء ، يحتمي قليلا مخافة ما يكره طويلا ، فإن أهل الفضائل كان منطقهم فيها بالصواب ومشيهم بالتواضع ومطعمهم الطيب من الرزق ، مغمضي أبصارهم عن المحارم . فخوفهم من البرّ كخوفهم من البحر ، ودعاؤهم في السرّاء كدعائهم في الضرّاء ، لولا الآجال التي كتبت لهم ما تقاربت أرواحهم في أجسادهم خوفا من العقاب وشوقا إلى الثواب ، عظم الخالق في أنفسهم فصغر المخلوق في أعينهم . واعلم أن التفكّر يدعو إلى الخير والعمل به ، والندم على الشرّ يدعو إلى تركه . وليس ما يغني وإن كان كثيرا بأهل أن يؤثر على ما يبقى وإن كان طلبه عزيزا . واحتمال المئونة المنقطعة التي تعقب الراحة الطويلة خير من تعجيل راحة منقطعة تعقب مئونة باقية وندامة