ابن عربي

293

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

فأقبل خالد بن الوليد رضي اللّه عنه بالسيف إليها ، وهو يقول : كفرانك اليوم ولا سبحانك * إني رأيت اللّه قد أهانك قال : فضربها بالسيف ، ثم رجع إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأخبره . فقال : « نعم تلك العزّى ، وقد أيست أن تعبد في بلادكم أبدا » . ثم قال خالد رضي اللّه عنه : الحمد للّه الذي أكرمنا بك يا رسول اللّه ، وأنقذنا بك من الهلكة . لقد كنت أرى أبي يأتي العزّى بخير ما له من الإبل والغنم ، فيذبحها للعزى ، ويقيم عندها ثلاثا ، ثم ينصرف إلينا مسرورا ، فنظرت إلى ما مات أبي عليه ، وإلى ذلك الرأي الذي كان يعيش في فضله ، وكيف جزع حتى صار يذبح لما لا يسمع ، ولا يبصر ، ولا يضرّ ، ولا ينفع . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن هذا الأمر إلى اللّه ، فمن يسّره للهدى تيسّر له ، ومن يسّره للضلالة كان لها » . وكان هدمها لخمس ليال بقين من رمضان سنة ثمان . وكان سادنها أفلح بن النضر السلميّ من بني سليم . حكى سعيد بن عمرو الهذلي : أن أفلح سادنها لما حضرته الوفاة ، دخل عليه أبو لهب يعوده وهو حزين ، فقال : ما لي أراك حزينا ؟ قال : أخاف أن تضيع العزى بعدي . فقال له : لا تحزن ، فأقوم عليها بعدك . فجعل أبو لهب يقول لكل من لقي أن تظهر العزى : كنت قد أخذت عندها يدا ، وأن يظهر محمد على العزى ، وما أراده يظهر ، فابن أخي . فأنزل اللّه تعالى : تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ . وجاء حسان بن ثابت الأنصاري إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو في المسجد ، فقال : يا رسول اللّه ، ائذن لي أن أقول ، فإني لا أقول إلا حقا ، فقال : « قل » . فأنشأ يقول : شهدت بإذن اللّه أن محمدا * رسول الذي فوق السماوات من عل فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « وأنا أشهد » . فقال حسان : وإن أبا يحيى ويحيى كليهما * له عمل في دينه متقبل فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « وأنا أشهد » . فقال حسان : وإن الذي عادى اليهود ابن مريم * رسول أتى من عند ذي العرش مرسل فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « وأنا أشهد » . فقال حسان : وإن أخا الأحقاف إذ يعذلونه * يجاهد في ذات الإله ويعدل فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « وأنا أشهد » . فقال حسان : وإن التي بالجزع من بطن نخلة * ومن دانها فلّ عن الحق معزل فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « وأنا أشهد » .