ابن عربي

289

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

خبر الطائر الطائف ذكر الأزرقي في كتاب مكة ، قال : جاء طائر أشف من الكعبة شيئا ، لونه لون الحبرة بريشة حمراء وريشة سوداء ، دقيق الساقين طويلهما ، له عنق طويل ، دقيق المنقار طويله ، كأنه من طير البحر ، يوم السبت لسبع وعشرين من ذي القعدة سنة ستّ وعشرين ومائتين ، حين طلعت الشمس ، والناس إذ ذاك في الطواف كثير من الحاج وغيرهم ، من ناحية أجياد الصغير ، حتى وقع في المسجد الحرام قريبا من مصباح زمزم ، مقابل الركن والحجر الأسود ، ساعة طويلة . ثم طار على صدر الكعبة في نحو من وسطها ، ما بين الركن اليماني والركن الأسود ، وهي إلى الركن الأسود أقرب . ثم وقع على منكب رجل في الطواف عند الركن الأسود من الحاج . ثم من أهل خراسان محرم يلبي وهو على منكبه الأيمن ، فطاف الرجل أسابيع والناس يدنون منه وينظرون إليه ، وهو ساكن غير مستوحش منهم . والرجل الذي عليه الطير يمشي في الطواف في وسط الناس ، وهم ينظرون إليه ويتعجبون . وعينا الرجل تدمعان على خده ولحيته . قال أبو الوليد الأزرقي : فأخبرني محمد بن أبي عبد اللّه بن ربيعة قال : رأيته على منكبه الأيمن والناس ينظرون إليه ويدنون منه ولا ينفر منهم ولا يطير . فطفت أسابيع ثلاثة . كل ذلك أخرج من الطواف فأركع خلف المقام ثم أعود ، وهو على منكب الرجل . ثم جاء إنسان من أهل الطواف فوضع يده عليه ، فلم يطر . وطاف به بعد ذلك ، ثم طار هو من قبل نفسه حتى وقع على يمين المقام ساعة طويلة ، وهو يمد عنقه ، ويقبضها إلى جناحه ، والناس مستلفون له ينظرون إليه عند المقام ، إذ أقبل فتى من الحجبة ، فضربه بيده وأخذه ليريه رجلا منهم ، كان يركع خلف المقام ، فصاح الطير في يده أشد الصياح وأوحشه ، لا يشبه صوته بأصوات الطير . ففزع منه ، فأرسله من يده ، فطار حتى وقع قريبا من دار الندوة خارجا من الظلال في الأرض ، قريبا من الأسطوانة الحمراء ، فاجتمع الناس ينظرون إليه وهو مستأنس في ذلك كله ، غير مستوحش من الناس ، ثم طار هو من قبل نفسه فخرج من باب المسجد الذي بين دار الندوة ودار العجلة نحو قعيقعان . خبر الطائر المغيث حدثنا عبد الكريم بن حاتم بن وحشي بمكة سنة ستمائة ، قال : خرج من عندنا رجل من المجاورين يريد مصر ، فركب بحر عيداب ، فطاب الريح بالليل ، فقام كل من في المركب إلا الذي يدير ، فأراد الرجل الحاجة ، فقعد في مقدم المركب يقضي حاجته ، فزلق قدمه ، فأخذه البحر وغطته الأمواج ، والرئيس ينظر إليه ، والمركب قد سار عنه بمسافة