ابن عربي
239
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
لما رأيت محمدا وجنوده * بالفتح يوم تكسّر الأصنام لرأيت نور اللّه أصبح بيّنا * والشرك يغشى وجهه الإظلام وقيل : بل كان الرجل أساف بن عمرو ، والمرأة نائلة بنت سهيل ، فلما كسرا يوم الفتح مع الأصنام ، خرج من أحدهما امرأة سوداء شمطاء تخمش وجهها ، عريانة ناشرة شعرها ، تدعو بالويل والثبور . فقيل لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في ذلك ، فقال : « تلك نائلة أيست أن تعبد ببلادكم أبدا » . ويقال : إن إبليس رنّ ثلاث رنّات ، رنّة حين لعن فتغيّرت صورته عن زيّ الملائكة ، ورنّة حين رأى النبي صلى اللّه عليه وسلم قائما يصلي بمكة ، ورنّة حين افتتح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مكة ، فاجتمعت إليه ذريته ، فقال إبليس : أيسوا أن تردوا أمة محمد الشرك بعد يومهم هذا أبدا ، ولكن افشوا فيهم النوح والشعر . ومن محاسن المكاتبة ما كتب به عبد اللّه بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر إلى بعض إخوانه : أما بعد ، فقد عاقني الشك عن عزيمة الرأي ، ابتدأتني بلطف من غير خبرة ، ثم أعقبتني جفاء من غير ذنب ، فأطمعني أوّلك في إخائك ، وأيسني آخرك من وفائك ، فلا أنا في حين الرّجا مجمع لك إطراحا ، ولا أنا في غد بنصرة منك على ثقة ، فسبحان من لو شاء وكشف إيضاح الرأي فيك ، فأقمنا على ائتلاف ، أو افترقنا على اختلاف . وقيل : الولاية حلوة الرضاع مرّة الفطام . لما ولّي الحجاج المدينة ، وجاز فيها ، وقدم وفد المدينة وفيهم عيسى بن طلحة بن عبيد اللّه على عبد الملك بن مروان ، فأثنى الوفد على الحجاج ، وعيسى ساكت ، فلما قاموا ثبت عيسى حتى خلا له وجه عبد الملك ، فقام فجلس بين يديه فقال : يا أمير المؤمنين ، من أنا ؟ قال : عيسى بن طلحة بن عبيد اللّه ، قال : فمن أنت ؟ قال عبد الملك بن مروان ، قال : فجهلتنا أم تغيرت بعدنا ؟ قال : وما ذاك ؟ قال : ولّيت علينا الحجاج بن يوسف يسير فينا بالباطل ، وتحملنا أن نثني عليه بغير الحق ، واللّه إن أعدته علينا لنعصينك ، وإن قاتلتنا وغلبتنا وأسأت إلينا قطعت أرحامنا ، ولئن قوينا عليك لنغصبنّك ملكك . فقال له عبد الملك : انصرف والزم بيتك ، ولا تذكرن من هذا شيئا . قال : وقام من منزله ، وأصبح الحجاج غاديا على عيسى بن طلحة ، فقال : جزاك اللّه خيرا عن خلوتك بأمير المؤمنين ، فقد أبدلني بكم خيرا ، وأبدلكم بي غيري ، وولّاني العراق . وحدثنا أبو الربيع الكتاني ، عن أبي محمد بن عبد اللّه بن عبد الرحمن ، عن