ابن عربي

234

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

كنائس النصارى فسمعت أصواتهم وهم يصلّون ، وكنت لا أدري ما أمر الناس لحبس أبي إياي في بيته ، فلما سمعت أصواتهم دخلت عليهم أنظر ما يفعلون ، فلما رأيتهم أعجبتني صلاتهم ورغبت في أمرهم ، فقلت : واللّه هذا خير من الدين الذي نحن عليه ، فو اللّه ما برحتهم حتى غابت الشمس ، وتركت ضيعة أبي فلم آتها ، ثم قلت لهم : أين أصل هذا الدين ؟ قالوا : بالشام ، قال : ثم رجعت إلى أبي ، وقد بعث في طلبي ، فشغلته عن عمله كله ، فلما جئته قال : يا بني أين كنت ؟ ألم أكن عهدت إليك ما عهدت ؟ قال : قلت : يا أبي ، مررت بناس يصلّون في كنيسة لهم ، فأعجبني ما رأيت من دينهم ، فو اللّه ما زلت عندهم حتى غربت الشمس . قال : أي بني ، ليس في ذلك الدين خير ، بل دينك ودين آبائك خير ، قلت : كلا واللّه إنه لخير من ديننا . قال : فخافني ، وجعل في رجلي قيدا ، ثم حبسني في بيتي . قال : وبعثت إلى النصارى فقلت : إن قدم عليكم ركب من الشام فأخبروني . قال : فقدم عليهم ركب من الشام تجار من النصارى . قال : فأخبروني . قال : قلت : إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الرجعة إلى بلادهم أعلموني بهم . قال : فألقيت الحديد من رجلي ، ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام . قلت : من أفضل هذا الدين علما ؟ قالوا : الأسقف في الكنيسة . قال : فجئته فأعلمته أني قد رغبت في هذا الدين ، وأكون معك أخدمك في كنيستك ، وأتعلم منك ، وأصلي معك . قال : فافعل وادخل ، فدخلت معه ، قال : فكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة ، ويرغبهم فيها ، فإذا جمعوا له شيئا كنزه لنفسه ، ولم يعط المساكين منها شيئا . قال : فما لبث أن مات فعرّفت النصارى بأمره ، قالوا : وما علمك ذلك ؟ قلت : أنا أدلكم على كنزه . قال : فأريتهم موضعه . قال : فاستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهبا وفضة وورقا . فلما رأوها قالوا : واللّه لا ندفنه ، وصلبوه ، ثم رموه بالحجارة ، ثم جاءوا برجل آخر ، فجعلوه مكانه . قال : فما رأيت رجلا يصلي الخمس أرى أنه أفضل منه ، وأزهد في الدنيا ، ولا أرغب في الآخرة ، والآداب ، ليلا ونهارا . قال : فأحببته حبا لم أحب شيئا كان مثله ، فأقمت معه زمانا ، ثم حضرته الوفاة . قال : قلت له : يا فلان ، إني كنت معك وأحببتك حبا لم أحب شيئا كان قبلك مثله ، وقد حضرك ما ترى من أمر اللّه تعالى ، من تأمرني ؟ قال : أي بني ، واللّه ما أعلم أحدا اليوم على ما كنت عليه ، لقد هلك الناس ، وبدّلوا كثيرا مما كانوا عليه إلا رجلا بالموصل وهو فلان ، وهو على ما كنت عليه ، فالحق به . قال : فلما غيب لحقت بصاحب الموصل فقلت : يا فلان ، إن فلانا أوصاني عند موته أن ألحق بك ، وأخبرني أنك على أمره . فقال :