ابن عربي

232

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

واقعة لبعض الفقراء أخبرني صاحبي أبو محمد عبد اللّه ابن الأستاذ المروزي قال : رأى بعض الفقراء في واقعة أبا مدين وأبا حامد الغزالي ، فسأل أبو حامد الشيخ أبا مدين عن سرّ معرفته ومحبته ، فقال له أبو مدين : المحبة مركبي ، والمعرفة مذهبي ، والتوحيد وصولي ، للمحبة سرّ لا يكشف ، وإدراكات لا يعبّر عنها ، ولا يوصف سرّها ، ومنبعها وفيّ ، وأصلها الجود العليّ ، فهي للخواص سنّة مسنونة ، دلّ على ذلك قوله تعالى : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ . فالمعرفة يا أخي فخري ، وهي قاعدة سري وأمري ، ثمرتها التوحيد ، ومنها وفيها يكون المزيد ، فالتوحيد أصل ، وما سواه فرع ، وهو غاية المقامات ونهاية الأحوال ، وما ذا بعد الحق إلا الضلال ؟ ثم سأله عن تنزيهه ، فقال : نزّهت الحق بما نزّه به نفسه ، وحمدته حمد من به قدسه ، ومجّدته تمجيد من كان معناه وحسّه ، فهو المحرّك للظواهر ، ومعلن العلانية ، ومسرّ السرائر ، فسرّه لسرّي لاح ، وتحفه تغمرني في المساء والصباح ، إن نظرته وجدته معي ، وإن تحققته كان بصري ومسمعي ، فهو الممدّ لوجودي ، ومقلّب قلبي ، وناصر وجودي ، فحياتي بحياته ظاهرة ، وصفاتي بصفاته مطهرة ، وخلقي بأخلاقه متخلّقة ، أمدّني بتوحيده ، وملأ ظاهري وباطني بجلاله وتمجيده . ثم قال : يا واحد يا أحد ، يا فرد يا صمد ، يا من لم يلد ولم يولد ، جمّل ناظري بالنظر إليك غدا . وحدثنا عبد الرحمن بن عليّ ، أنبأ أبو سعيد البغدادي ، عن أبي العباس الظهرانيّ ، وأبو عمرو بن منبّه ، قالا : حدثنا ابن بوه ، عن أبي الحسن اللبياني ، عن أبي بكر القرشي ، عن أبي حاتم الرازي ، عن أحمد بن عبد اللّه بن عياض ، عن عبد الرحمن بن كامل ، عن علوان بن داود ، عن علي بن زيد ، قال : قال طاوس : بينما أنا بمكة إذ بعث إليّ الحجاج بن يوسف فأجلسني إلى جنبه ، وأتكأني على وسادته ، إذ سمع ملبّيا يلبّي حول البيت رافعا يديه فقال : عليّ بالرجل ، فأتي به ، فقال : ممن الرجل ؟ قال : من المسلمين ، قال : ليس عن الإسلام سألت ، قال : فعمّ سألت ؟ قال : سألتك عن البلد ، قال : من أهل اليمن ، قال : كيف تركت محمد بن يوسف ؟ يريد أخاه ، قال : تركته عظيما جسيما لباسا ركّابا خرّاجا ولّاجا . قال : ليس عن هذا سألت . قال : فعمّ سألت ؟ قال : سألتك عن سيرته . قال : تركته ظلوما غشوما مطيعا للمخلوق عاصيا للخالق . فقال له الحجاج : ما حملك على هذا على أن تتكلم به وأنت تعلم مكانه مني ؟ قال الرجل : أتراه بمكانه منك أعز