ابن عربي

230

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

عجبت لما تصورت العقاب * إلى الثعبان وهي لها اضطراب وقد كانت يكون لها كشيش * وأحيانا يكون لها وثاب إذا قمنا إلى التأسيس شدّت * تهيّبنا البناء ولا تهاب فلما أن خشينا الزجر جاءت * عقاب بالسكات لها انصباب فضمتها إليها ثم خلت * لنا البنيان ليس لها حجاب فقمنا حاشدين إلى بناء * لنا منه القواعد والتراب غداة نرفع التأسيس منه * وليس على مساوينا ثياب أعز به المليك بني لؤي * فليس لأصله منهم ذهاب وقد حشدت هناك بنو عدي * ومرة قد تقدمها كلاب فبوّأنا المليك بذاك عزّا * وعند اللّه يلتمس الثواب فقالت قريش : إنا لنرجو أن يكون اللّه قد رضي عملكم ، وقبل نفقتكم ، فاهدموها ، فهابت قريش هدمه ، فقالوا : من يبدأ فيهدمه ؟ فقال الوليد بن المغيرة : أنا أبدؤكم فأهدمه ، فإني شيخ كبير ، فإن أصابني أمر كان قد دنا أجلي . فعلا البيت ، وفي يده عتلة يهدم بها ، فتزعزع تحت رجله حجر ، فقال : اللهم لم نرع ، إنما أردنا الإصلاح . ثم جعل يهدمها حجرا حجرا بالعتلة ، فهدم يومه ذلك ، فقالت قريش : نخاف أن ينزل به العذاب مساء ، فلما أمسى لم ير بأسا ، فأصبح الوليد على عمله ، فهدمت قريش معه حتى بلغوا الأساس الأول الذي وضعته الملائكة ، وهو الذي رفع عليه إبراهيم القواعد من البيت ، وهي حجارة كبار كالإبل الخلّف ، يحرك الحجر منها فترتج جوانبها ، وقد تشبكت بعضها ببعض ، فأدخل الوليد عتلة بين الحجرين ، فانفلقت منه فلقة ، فأخذها أبو وهب بن عمرو بن عمران بن مخزوم ، ففرت من يده حتى عادت في مكانها ، وطارت من تحتها برقة كادت تخطف أبصارهم ، ورجفت مكة بأسرها ، فلما رأوا ذلك أمسكوا عن أن ينظروا ما تحت ذلك ، فلما جمعوا ما أخرجوا من النفقة ، قلّت النفقة أن تبلغ عمارة البيت ، فتشاوروا في ذلك ، فأجمعوا رأيهم على أن يقتصروا على القواعد ، ويحجروا ما يقفون عليه من بناء البيت ، ويتركوا بقيته في الحجر عليه جدار مدار ، ويطوّفون الناس من ورائه ، ففعلوا ذلك ، وبنوا في بطن الكعبة أساسا يبنون عليه من شق الحجر ، وتركوا من البيت في الحجر سنة أذرع وشبرا ، فبنوا على ذلك . فلما وضعوا أيديهم في بنائها قالوا : ارفعوا بابها من الأرض ، واكسوها حتى لا يدخلها السيول ، ولا ترقى إلا بسلّم ، ولا يدخلها إلا من أردتم .