ابن عربي

227

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

وهذه مصيبة ؟ قالت : وأي مصيبة أعظم من فقد القلوب وانقطاعها عن المحبوب ؟ فقلت لها : إن حسن صوتك قد عطّل على سامعيه الطواف ، قالت : يا شيخ ، البيت بيتك أم بيته ؟ قلت : بل بيته ، قالت : فالحرم حرمك أم حرمه ؟ قلت : حرمه ، قالت : فدعنا نتدلل عليه على قدر ما استزادنا عليه ، ثم قالت : بحبك لي إلا ما رددت عليّ قلبي ، فقلت لها : من أين تعلمين أنه يحبك ؟ قالت : بالعناية القديمة جيّش من أجلي الجيوش ، وأنفق الأموال ، وأخرجني من بلاد الشرك فأدخلني في التوحيد ، وعرّفني نفسي بعد جهلي إياه ، فهل هذه إلا العناية ؟ قلت : كيف حبّك له ؟ قالت : أعظم شيء وأجلّه ، قلت : وتعرفين الحب ؟ قالت : فإذا جهلت الحب فأي شيء أعرف ؟ قلت : فكيف هو ؟ قالت : هو أرقّ من السراب ، قلت : وأي شيء هو ؟ قالت : عجنت طينته بالحلاوة ، وخمرت في إناء الجلالة ، حلو المجتنى ، ما أقصر ، فإذا أفرط عاد خبلا قاتلا ، وفسادا معضلا ، وهو شجرة غرسها كربة ، ومجتناها لذيذ ، ثم ولّت وأنشأت تقول : وذي قلق لا يعرف الصبر والعزا * له مقلة عبرا أضرّ بها البكا وجسم عليل من شجا لاعج الهوى * فمن ذا يداوي المستهام من الضنا ولا سيما والحب صعب مرامه * إذا عطفت منه عواطف بالفنا ولنا في باب الإشارات العلوية : ألا يا حمامات الأراكة والبان * ترفقن لا تضعفن بالشجو أشجاني ترفقن لا تظهرن بالنوح والبكا * خفي صباباتي ومكنون أحزاني أطارحها عند الأصيل وبالضحى * بحنّة مشتاق وأنّة هيمان تناوحت الأرواح في غيضة الفضا * فمالت بأفنان عليّ فأفناني وجاءت من الشوق المبرّح والجوى * ومن طرق البلوى إليّ بأفنان ومن لي بجمع والمحصّب من منى * ومن لي بذات الأثل من لي بنعمان تطوف بقلبي ساعة بعد ساعة * بوجد وتبريح وتلثم أركاني وكم عهدت أن لا تخون وأقسمت * وليس لمخصوب وفاء بإيمان ومن أعجب الأشياء ظبي مبرقع * يشير بعنّاب ويومي بأجفان ومرعاه ما بين الترائب والحشا * ويا عجب من روضة وسط نيران لقد صار قلبي قابلا كل صورة * فمرعى لغزلان ودير لرهبان وبيت لأوثان وكعبة طائف * وألواح توراة ومصحف قرآن أدين بدين الحبّ أنّى توجهت * ركائبه فالدين ديني وإيماني لنا أسوة في بشر هند وأختها * وقيس وليلى ثم ميّ وغيلان