ابن عربي
211
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
ويقسم ميراثي رجال أعزّة * وتذهل عني الوالدات وتشغل ومن خبر أسعد تبّع الذي كسا الكعبة ، وتوجه إلى مكة ، وما اتفق له في نار اليمن روينا من حديث ابن إسحاق ، قال : كان تبّع وقومه أصحاب أوثان يعبدونها ، فوجّه إلى مكة وهي طريقه إلى اليمن حتى إذا كان بين عسفان وألح ، أتاه نفر من هذيل بن مدركة بن الياس بن مضر ، فقالوا : أيها الملك ، ألا ندلّك على بيت المال وأثر غفلته الملوك قبلك ، فيه اللؤلؤ والزبرجد والياقوت والذهب والفضة ؟ قال : بلى . قالوا : بيت مكة يعبده أهله ، ويصلّون عنده ، وإنما أراد الهذليون هلاكه بذلك ، لما عرفوا من هلاك من أراده من الملوك ، وبغى عنده ، فلما أجمع رأيه ، قالوا : أرسل إلى حبرين كانا عنده ، فسألهما عن ذلك ، فقالا : ما أراد القوم إلا هلاكك ، وهلاك جندك ، ما نعلم بيتا للّه اتخذه في الأرض لنفسه غيره . ولئن فعلت ما دعوك إليه لتهلكن ، ويهلكن من معك جميعا . قال : فما ذا تأمراني أن أصنع ؟ قالا : إذا قدمت عليه تصنع عنده ما يصنع أهله ، تطوف به ، وتكرمه ، وتعظمه ، وتحلق رأسك عنده ، وتذلل حتى تخرج من عنده . قال : فما يمنعكما أنتما من ذلك ؟ قالا : أما واللّه إنه لبيت أبينا إبراهيم ، وإنه لكما أخبرناك ، ولكن أهله حالوا بيننا وبينه بالأوثان التي نصبوها حوله ، بالدماء التي يهرقون عنده وهم نجس أهل شرك . فعرف نصحهما ، وصدق حديثهما ، وقرّب النفر من هذيل ، فقطع أيديهم وأرجلهم ، ثم مضى حتى قدم مكة ، فطاف بالبيت ، ونحر عنده ، وحلق رأسه ، وأقام بمكة ستة أيام فيما يذكرون ينحر بها للناس ، ويطعم أهلها ، ويسقيهم العسل . ورأى في المنام أن يكسو البيت ، فكساه الخصف ، وهي ثياب غلاظ جدا . ثم رأى أن يكسوه أحسن من ذلك ، فكساه المغافر . ثم رأى أنه يكسوه أحسن من ذلك ، فكساه الملا والوصائل . وأوصى بالبيت ولاته من جرهم ، وأمرهم بتطهيره ، وأن لا يقربوا إليه دماء ولا ميتة ، ولا ميلغا ، وهي المحائض . وجعل له بابا ومفتاحا ، فكان تبّع فيما يروى أنه أول من كسا البيت ، وقال تبّع في ذلك وفي مسيره : وكسونا البيت الذي حرّم * اللّه ملاء معصبا وبرودا وأقمنا به من الشهر عشرا * وجعلنا لنا به أقليدا وخرجنا منه نؤم سهيلا * قد رفعنا لواءنا معقودا