ابن عربي
188
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
بعض الطريق حضرته الوفاة ، فدعا الحصين بن نمير فقال : يا برذعة الحمار ، لولا أني أكره أن أتزوّد عند الموت معصية أمير المؤمنين ما ولّيتك ، انظر إذا قدمت مكة فاحذر أن تمكن قريشا من أذنك فتبول فيها ، لا يكون إلا الوقاف ، ثم التفاف ، ثم انصراف ، فتوفي مسلم ، ومضى الحصين بن نمير إلى مكة ، فقاتل بها الزبير أياما ، وجمع ابن الزبير مواليه ، فتحصن بهم في المسجد الحرام حول الكعبة ، وضرب أصحاب ابن الزبير في المسجد الحرام خياما زقاقا يكتنون فيها من حجارة المنجنيق ، ويستظلون فيها من الشمس ، وكان الحصين بن نمير قد نصب لهم المنجنيق على أبي قبيس ، وعلى الأحمر ، وهما أخشبا مكة ، فكان يرميهم بها فتصيب الحجارة الكعبة حتى تخرقت كسوتها عليها ، فصارت كأنها جيوب النساء . فوهن الرمي بالمنجنيق الكعبة ، فذهب رجل من أصحاب ابن الزبير ليوقد نارا في بعض تلك الخيام ، مما يلي الصفا بين الركن اليماني ، والمسجد الحرام يومئذ ضيّق صغير ، فطارت شرارة في الخيمة فاحترقت . وكانت في ذلك اليوم ريح شديدة ، والكعبة يومئذ مبنية بناء قريش : مدماك من ساج ومدماك من حجارة من أسفلها إلى أعلاها ، فأطارت الريح لهب تلك النار فأحرقت كسوة الكعبة ، فاحترق الساج الذي بين البناء . وكان احتراقها يوم السبت ثالث شهر ربيع الأول قبل أن يأتي نعي يزيد بن معاوية بسبعة وعشرين يوما ، وجاء نعيه في هلال شهر ربيع الآخر ليلة الثلاثاء سنة أربع وستين . وكانت خلافته ثلاث سنين وسبعة أشهر . فلما احترقت الكعبة ، واحترق الركن الأسود وتصدّع ، كان ابن الزبير بعد ربطه بالفضة ضعفت جدران الكعبة ، حتى إنه ليقع الحمام عليها فتتناثر حجارتها ، ففزع لذلك أهل مكة والشام جميعا . والحصين بن نمير مقيم يحاصر ابن الزبير ، فأرسل ابن الزبير رجالا من قريش وغيرهم ، فيهم عبد اللّه بن خالد ، ورجالا من بني أمية إلى الحصين ، فكلموه وعظموا عليه ما أصاب الكعبة ، وقالوا : إن ذلك كان منكم ، رميتموها بالنفط . فأنكروا ذلك ، وقالوا : قد توفي يزيد ، فعلى ما ذا تقاتل ؟ ارجع إلى الشام حتى تنظر ما ذا يجمع عليه أمر صاحبك ، يعنون معاوية بن يزيد ، وهل يجتمع الناس عليه ؟ فلم يزالوا به حتى لان لهم . وقال له خالد بن عبد اللّه بن أسد : تراك تتهمني في يزيد حتى رجع إلى الشام . فلما أدبر جيش الحصين بن نمير ، وكان خروجه من مكة لخمس ليال خلون من شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين ، دعا ابن الزبير وجوه الناس وأشرافهم ، فشاورهم في هدم