ابن عربي

186

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

تحت جبل العروس من قبلة الجبل وشمال قرطبة ، وبينها وبين قرطبة اليوم قدر ثلاثة أميال أو دون ذلك ، وأتقن بناءها وأحكمه ، وأحكم الصنعة فيه . وقد ذكر تاريخها ابن حيّان ، وجعلها منتزها ومسكنا للزهراء ، وحاشية أرباب دولته ، ونقش صورتها على الباب ، فلمّا قعدت الزهراء في مجلسها على الجبل الأسود ، علتها فنظرت إلى بياض المدينة وحسنها في حجر ذلك الجبل الأسود ، قالت : يا سيدي ، ألا ترى إلى حسن هذه الجارية الحسناء في حجر هدا الزنجيّ ؟ فأمر بزوال الجبل ، فقال بعض جلسائه : أعيذ أمير المؤمنين من أن يخطر له ما يشين العقل بسماعه ، لو اجتمع الخلق وعمر الدنيا معهم ما أزالوه حفرا ولا قطعا ، ولا يزيله إلا من أنشأه ، فأمر بقطع شجرة وغرسه تينا ولوزا ، ولم يكن منظرا أحسن منها ، ولا سيما في زمن الإزهار ، وتفتّح الأشجار ، وهي بين الجبل والسهل . تذكرت أحبابي ورسم ديارهم فقلت : درست ربوعهم وإنّ هواهم * أبدا جديدا بالحشا لا يدرس هذي طلولهم وهذي الأربع * ولذكرها أبدا تذوب الأنفس ناديت خلف ركابهم من حبهم * يا من غناه الحسن ها أنا مفلس مرّغت خدّي رقة وصبابة * فبحقّ حق هواكم لا تؤيسوا من ظلّ في عبراته عرقا وفي * نار الأسى حرقا ولا متنفّس يا موقد النار الرويدا هذه * نار الصّبابة شأنكم فلتقبسوا ولنا من اللّطائف العرفانية في الإشارات : ألا يا ترى نجد تباركت من نجد * سقتك سحاب المزن جودا على جود وحيّاك من حيّاك خمسين حجّة * بعود على بدء وبدء على عود قطعت إليها كلّ قفر ومهمه * على الناقة الكوماء والجمل العود إلى أن تراءى البرق من جانب الغضا * وقد زادني مسراه وجدا على وجد أردت ترى نجد ، مركّب العقل وسحاب المعارف ، تسقيه علما على علم ، وخمسين حجة عمر الركب في هذا الوقت ، والتحية سلام الحق مرددا بلطائف التحف ، والإشارة بإلبها للحضرة والقفر ، والمهمة الرياضة النفسية والمجاهدة البدنية ، والناقة الكوماء الشريعة ، والجمل العود العقل المجرّد والبرق المطلوب ، والغضى الإشراق النوراني الذي لحجاب العزة الأحمى ، ومسراه لمعانه من جانب الكون ، فإن السر لا يكون إلا ليلا ، والكون الليل . حدثنا محمد بن قاسم ، ثنا أبو الطاهر أحمد بن الحسن ، عن أبيه محمد بن الحسن ،