ابن عربي

180

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

السماء ، ثم فصل ما بين حجارة الجوارب بحجارة مثلثة تشبه الشرف متداخلة بعضها ببعض ، حجر أخضر ، وحجر أسود ، وحجر أحمر ، وحجر أبيض ، وحجر أصفر ، فيما بين كل ساقين خشب ساسم مدوّر الرأس ، غلظ الخشبة حضن الرجل ، ثابتة على البناء ، وكان مفصلا بهذا البناء على هذه الصفة ، ثم فصل بإفريز من رخام منقوش ، طوله في السماء ذراعان ، وكان الرخام ثابتا على البناء ذراعا ، ثم فصل فوق الرخام بحجارة سود لها بريق ، ثم وضع فوقها حجارة بيضا لها بريق ، فكان هذا ظاهر حائط القليس ، وكان عرض حائط القليس ستة أذرع ، وكان له باب من نحاس عشرة أذرع طولا في أربعة أذرع عرضا ، وكان المدخل منه إلى بيت في جوفه طوله ثمانون ذراعا في أربعين ذراعا ، معلق العمل بالساج المنقوش ، ومساميره الفضة والذهب ، ثم يدخل من البيت إلى إيوان طوله أربعون ذراعا ، عن يمينه وعن يساره عقد مضروبة بالفسيفساء مشجرة ، بينهما كواكب الذهب ظاهرة ، ثم يدخل من الإيوان إلى قبة ثلاثون ذراعا في مثلها بالقصير ، فيها صلب منقوشة بالذهب والفضة ، وفيها رخامة مما يلي مطلع الشمس من اليلق مربعة عشرة أذرع في مثلها ، تغشي عين من نظر إليها من بطن القبة ، يؤدي ضوء الشمس والقمر إلى داخل القبة ، وكانت تحت الرخامة منبر من خشب اللبخ وهو الآبنوس مفصّل بالعاج الأبيض ، ودرج المنبر من خشب الساج ملبسة ذهبا وفضة ، وفي القبة سلاسل فضة ، وكان في القبة وفي البيت خشبة من ساج منقوشة طولها ستون ذراعا يقال لها كعيب ، وخشبة من ساج نحوها في الطول يقال لها امرأة كعيب ، كانوا يتبركون بها في الجاهلية ، وكان يقال الكعيب الأحوريّ ، وهو في لسانهم الحرّ ، وكان أبرهة عند بناء القليس قد أخذ العمال بالعمل أخذا شديدا ، وقد كان آلى أن لا تطلع الشمس على عامل لم يضع يده في العمل إلا قطع يده . قال : فتخلّف رجل ممن كان يعمل فيه حتى طلعت الشمس ، وكانت له أم عجوز ، فذهب بها معه لتستوهبه من أبرهة ، فأتته به وهو بارز للناس ، فذكرت له علّة ابنها واستوهبته منه ، فقال : لا أكذّب نفسي ، ولا أفسد على عمالي ، فأمر بقطع يده ، فقالت له : اضرب بمعولك ساعي بهر اليوم لك * وغدا لغيرك ليس كل الدهر لك فقال : ادنوها ، وقال لها : إن الملك ليكون لغيري ؟ قالت : نعم . وكان أبرهة قد أجمع أن يبنى القليس حتى يظهر على ظهره ، فيرى منه بحر عدن ، فقال : لا أبني حجرا على حجر بعد يومي هذا ، فأعفي الناس من العمل . قال أبو الوليد : تفسير قولها : ساعي بهر ، تقول : اضرب بمعولك ما كان حديدا . قال ابن إسحاق : وانتشر خبر بناء هذا البيت في العرب ، وسمع به رجل من النّسأة