ابن عربي
173
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
فقلت : لا تكن مثلي ، ولكن كن دون ما أنت فيه ، وفوق ما أنا فيه ، فقال : اخرج . قال الثوري : فقلت له : إني لأعلم مكان رجل واحد لو صلح صلحت الأمة كلها ، قال : من هو ؟ قلت : أنت يا أمير المؤمنين . ومن وقائع بعض الفقراء إلى اللّه تعالى ما حدثنا به عبد اللّه ابن الأستاذ المروزي قال : قال لي بعض الصالحين : رأيت في واقعتي أبا حامد ، وأبا يزيد ، وأبا طالب ، وأشياخ الصوفية ، وأبا مدين ، فقال أحدهم للشيخ أبي مدين : قل لنا شيئا في المعرفة ، فقال : المعرفة هي الحجة لبلوغ العافية وثمرتها التوحيد ، وإليه النهاية . فالتوحيد هو غاية الأمل ، وما افترق في الوجود عنده اشتمل ، هو المبدأ ، وله البيان وإليه المرجع ، وبه يحصل الأمان ، سره في مخلوقاته خفي وحكمه في مصنوعاته ظاهر جلي ، أمره قد انتشر في الورى ، وقضاؤه وقدره في كل شيء قد جرى ، وهو الأول قبل كل شيء ، وهو الآخر ، وإليه يرجع الأمر كله ، وهو الآمر ، فالمحسوسات كلها هباء ، وهي حجابه سبحانه وبه خفي ، فقلب العارف طاهر مما سواه ، فإذا أعين عليه بادره برحمته فقواه بحياته امتدت حياته ، وبصفاته امتدت صفاته ، فمخلوقاته بأسرها إليه مضطرة ، إذ لم يخل شيء من الأشياء من سره حتى الذرة ، قد شهدت بأسرها إليه ، ونطقت بأنه الواحد ، وأنه ليس له شريك في ملكه ، ولا ولد ، ولا والد ، شهادة قد أحكمتها الفطرة ، يشهدها العارف في كل خطرة ونظرة ، فالعارفون به ظهرت لهم الغيوب ، وبذكره اطمأنت منهم القلوب ، فلم يعرجوا على شيء مما سواه ، وما منهم من قنع بشيء عوضا عن مولاه ، فأسرار العارفين عن الخلق محجوبة ، وعند من عرفهم ظاهرة بالحسب مطلوبة ، وقلوب الغير بالأسباب في شعب هي من المعرفة خالية ، ومن الحكمة مسلوبة . لاحظوا أنفسهم فهم منها على غرور ، من أسرار العارفين خلوا ، وبظواهرهم تشبهوا ، والناس نيام ، فإذا ماتوا انتبهوا . روينا من حديث الخطابي قال : كان سعد ممن اعتزل أيام الفتنة ، ولم يكن مع واحد من الفريقين ، فراودوه على الخروج فأبى ، وضرب لهم مثلا : قال الخطابي : أنا ابن الأعرابي ، حدثنا محمد بن أحمد بن أبي العوام ، حدثنا أبي ، ثنا كثير بن مروان الفلسطيني ، ثنا جعفر بن برقان ، عن ميمون بن مهران ، قال سعد : لما دعوه إلى الخروج معهم أتى عليهم وقال : لا ، إلا أن تعطوني سيفا له عينان بصيرتان ، ولسانا ينطق بالكافر فأقتله ، وبالمؤمن فأكف عنه ، وضرب لهم مثلا ، وقال : مثلنا ومثلكم كمثل قوم كانوا على محجّة بيضاء ، فبينما هم كذلك إذ هاجت ريح عجاجة فضلوا الطريق ، والتبس عليهم ، وقال بعضهم : الطريق ذات اليمين ، فأخذوا فيها فتاهوا وضلوا ، فقال آخرون : الطريق ذات