ابن عربي

163

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

ويقال : إن هذه الجارية هي التي يقول فيها أمير المؤمنين المأمون يخاطبها : أنا المأمون والملك الهمام * على أني بحبك مستهام أترضى أن أموت عليك وجدا * ويبقى الناس ليس لهم إمام فقالت له : يا أمير المؤمنين ، أبوك الرشيد أعشق منك ، حيث يقول : ملك الثلاث الآنسات عناني * وحللن من قلبي بكل مكان ما لي تطاوعني البرية كلها * وأطيعهنّ وهنّ في عصياني ما ذاك إلا أن سلطان الهوى * وبه قوين أعزّ من سلطاني فقدم ذكرهن على ذكر نفسه ، وأنت قدمت نفسك على من تزعم أنك تهواها . قال لها المأمون : غير أني منفرد لك ، والرشيد قسم بين ثلاث ، . قالت : أعرفهن : الواحدة المقصودة وهي فلانة ، والثنتان محبوبتان لها ، فأحبهما لحبّها إذ ذاك مما يسرّها ، كما قال خالد بن يزيد بن معاوية في رملة : أحب بني العوّام طرّا لأجلها * ومن أجلها أحببت أخوالها كلبا وقال الآخر : أحبّ لأجلها السودان حتى * أحبّ لأجلها سود الكلاب فهؤلاء أحبوا القبيلة من أجلها فأحرى من أحبت هذا المخرج لأمير المؤمنين الرشيد ، فأين المخرج لأمير المؤمنين ؟ فسكت وعظم وجد . ولنا في هذا المعنى في صاحب حبشي أخلص لي في محبته واسمه بدر : أحب لحبّك الحبشان طرّا * وأعشق لاسمك البدر المنيرا حدثنا مصعب بن محمد الخشنيّ القاضي الخطيب الجناني ، في مجلس كان بيني وبينه في الأدب ، في حق شخص كان وسيم الوجه ، وقد أصاب عينيه رمد فاحمرت عيناه ، فقلت له : يا سيدي ، ما أحسن قول القائل في مثل هذا ، فقال : وما قال ؟ قلت : قالوا اشتكت عينه فقلت لهم * من كثرة الفتك نالها وصب حمرتها من دماء من قتلت * والدم في السيف شاهد عجب فقال رحمه اللّه لنا في هذا المعنى في زمان الصبا شيء ، قلت : فأنشدني : أكر صحبي إذ رأوا طرفه * ذا حمرة يشفي بها المغرم لا تنكروا الحمرة في طرفه * فالسيف لا ينكر فيه الدم