ابن عربي
153
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
الصمصامة ، وكان صاحب غارات ، مذكورا بالشجاعة ، مشهورا في العرب ، فذكر أنه هجم في بعض غاراته على شابة جميلة منفردة ، فأخذها ، فلما أمعن بها بكت ، فقال : ما يبكيك ؟ قالت : أبكي لفراق بنات عمي ، هن مثلي في الجمال ، وأفضل مني ، خرجت معهن فانقطعنا من الحي . قال : وأين هنّ ؟ قالت : خلف ذلك الجبل ، وددت إذا أخذتني أنك تأخذهن معي ، وهن يودّن ذلك ، فأعد إلى الموضع الذي وصفته لك . فمضى عمرو إلى هناك ، فما شعر حتى هجم عليه فارس شاكي السلاح ، فعرض عليه المصارعة فصرعه الفارس ، ثم عرض عليه ضروبا من المناوشة فغلبه الفارس في جميع ذلك كله ، فسأله عمرو عن اسمه ، فإذا هو ربيعة بن مكرم الكنانيّ ، فاستنقذ الجارية منه . حدثنا محمد بن قاسم ، ثنا عمر بن عبد الحميد ، قال : قال لي بعض الرجال : جلس رجل من المسرفين على نفسه في مجلس راحته مع ندمائه ، ثم دعا بغلامه فدفع إليه أربعة دراهم وأمره أن يشتري بها من المشمومات ما يليق بمجلس راحته ، فمرّ الغلام بمجلس منصور بن عمار وهو يسأل لفقير بين يديه ، فسمعه يقول : بقيت لهذا الفقير أربعة دراهم فمن دفعها له دعوت له أربع دعوات ، فدفع الغلام له الدراهم ، فقال له منصور : ما الذي تريد أن أدعو لك به ؟ فقال : سيدي ، أريد أن أتخلص منه ، فدعا له بذلك . فقال : وما الذي تريد أن أدعو لك به ثانية ؟ فقال : أريد أن تخلف هذه الدراهم ، فدعا له . قال : فما الدعوة الثالثة ؟ قال : أحب أن يتوب اللّه على سيدي ، فدعا له بذلك ، وسأله عن الرابعة فقال : أحب أن يغفر اللّه لي ولسيدي ولك وللقوم الحضور ، فدعا منصور بذلك ، وانصرف الغلام راجعا إلى سيده وقد أبطأ عليه ، فقال له سيده : لم أبطأت عليّ ؟ وأين الحاجة التي أمرتك بشرائها ؟ فقص عليه الغلام القصة ، فقال له : أخبرني ما الذي دعا لك به ؟ فقال : سألته أن يدعو اللّه لي بالعتق ، فقال له : اذهب فأنت حر لوجه اللّه تعالى . فما الثانية ؟ قال : إن تخلف عليّ الدراهم . فقال له : لك من مالي أربعمائة درهم ، فما الثالثة ؟ قال : أن يتوب اللّه عليك . قال : فإني أشهد اللّه أني تائب . فما الرابعة ؟ قال : أن يغفر اللّه لي ولك ، وللمذكور ولأهل مجلسه . قال : ذلك للّه عز وجل . فلما كان الليل وقف للرجل هاتف في منامه ، فقال له : يقول اللّه لك : أنت فعلت ما إليك وأنت عبد ضعيف ، أتراني ما أفعل ما كان إليّ ، وأنا المولى الكريم ، قد غفرت لك ، وللغلام ، وللمذكور ، ولأهل مجلسه . ذكر نبذ من الأنساب وانتهاء بكل نسب إلى الجد الذي مجتمع فيه صاحب ذلك النسب برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم .