ابن عربي
137
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
منبّه اليماني أنه حدّثهم ، أن موقع دين النصرانية بنجران ، أن رجلا من بقايا أهل دين عيسى ابن مريم عليه السلام ، يقال له فيميون ، وكان صالحا زاهدا مجتهدا ورعا ، مجاب الدعوة ، سائحا نائحا ينزل القرى ، لا يعرف بقرية إلا خرج منها إلى قرية ، لا يعرف بها . وكان لا يأكل إلا من كسب يده ، وكان بنّاء يعمل الطين ، وكان يعظّم الأحد إذا كان يوم الأحد ، لا يعمل فيه شيئا ، وخرج إلى فلاة من الأرض فصلّى فيها حتى يمسي . قال : وكان في قرية من قرى الشام يعمل عمله ذلك مستخفيا ، ففطن بشأنه رجل من أهلها يقال له صالح ، فأحبّه صالح حبا لم يحبه شيئا كان قبله ، فكان يتبعه حيث ذهب ، ولا يفطن له فيميون ، حتى خرج مرة يوم الأحد إلى فلاة في الأرض ، كما كان يصنع ، وقد تبعه صالح ، وفيميون لا يدري به ، فجلس صالح منه منظر العين مستخفيا منه لا يحب أن يعلم بمكانه . وقام فيميون يصلي ، فبينا هو يصلي إذ أقبل نحوه التنين : الحية ذات الرؤوس السبعة ، فلما رآها فيميون دعا عليها فماتت ، ورآها صالح ولم يدر ما أصابها فخافها عليه ، فعيل عوله ، فصرخ : يا فيميون ، التنين قد أقبل نحوك ، فلم يلتفت إليه ، وأقبل على صلاته حتى فرغ منها وأمسى ، فانصرف وعرف أنه قد عرف ، وعرف صالح أنه قد رأى مكانه ، فقال له : يا فيميون ، تعلم واللّه أني ما أحببت شيئا قط حبك ، وقد أردت صحبتك ، والكينونة معك حيث كنت . قال : ما شئت أمري كما ترى ، فإن علمت أنك تقوى عليه فنعم ، فلزمه صالح . وقد كاد أهل القرية يفطنون لشأنه ، وكان إذا ناجاه العبد به الضرّ دعا له فشفي ، وإذا دعا لأحد به ضرّ لم يأته . وكان لرجل من أهل القرية ابن ضرير ، فسأل عن شأن فيميون ، فقيل له : إنه لا يأتي أحدا دعاه ، ولكنه رجل يعمل للناس البنيان بالأجرة . فعمد الرجل إلى ابنه ذلك ، فوضعه في حجرته ، وألقى عليه ثوبا ، ثم جاءه فقال : يا فيميون ، إني قد أردت أن أعمل في بيتي عملا ، فانطلق معي حتى تنظر إليه فأشارطك عليه . فانطلق معه حتى دخل حجرته ، ثم قال له : ما تريد أن تعمل في بيتك هذا ؟ قال : كذا وكذا ، ثم كشط الثوب عن الصبي ، وقال : يا فيميون ، عبد من عباد اللّه أصابه ما ترى ، فادع اللّه له ، فدعا له فيميون ، فقام الصبي ليس به بأس ، وعرف فيميون أنه قد عرف . فخرج من القرية ، واتبعه صالح ، فبينما هو يمشي في بعض أرض الشام ، إذ مرّ بشجرة عظيمة ، فناداه منها رجل ، فقال : أفيميون ؟ قال : نعم . قال : ما زلت أنظر وأقول متى هو جاء ؟ حتى سمعت صوتك ، فعرفت أنك هو ، لا