ابن عربي
117
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
يشغله أبدا عنه شاغل . هو معه كالميت بين يدي الغاسل ، يقلبه في أي الجهات كيف شاء ، ويكشف عن قلبه كل غشاء ، فينظره بعين التحقيق ، فيرد إليه الخلق من كل طريق . فالعارف من آفات الغير محفوظ ، وكل ما سوى الحق عنه مرفوض . ركن إلى الحصن المنيع فأواه ، ودق نظره في معرفته فتمعنى بمعناه ، فنودي من حضرة مولاه : وحّدني فإني أنا اللّه . حكي عن النعمان بن المنذر أنه خرج لصيد ومعه عديّ بن زيد العبّادي ، فمرّ بآرام ، وهي القبور ، فقال عدي : أبيت اللعن ، أتدري ما تقول هذه الآرام ؟ قال : لا . قال : إنها تقول : أيها الركب المخبّون * على الأرض تمرّون لكما كنتم كنّا * وكما نحن تكونون فقال : أعدها ، فأعادها . فرجع كئيبا ، وترك صيده . وخرج معه مرة أخرى ، فوقف على القبور بظاهر الحيرة فقال : أبيت اللعن ، أتدري ما تقول هذه الآرام ؟ فقال : لا . فقال : إنها تقول : ربّ ركب قد أناخوا عندنا * يشربون الخمر بالماء الزلال ثم أضحوا ضعف الدهر بهم * وكذاك الدهر حالا بعد حال فانصرف أيضا وترك صيده . ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وروينا من حديث أحمد بن عبد اللّه بن عباس . حدّثه عن أبيه أن عمر بن عبد العزيز شيّع جنازة ، فلما انصرفوا تأخر عمر وأصحابه ناحية عن الجنازة ، فقال له أصحابه : يا أمير المؤمنين ، جنازة أنت وليّها تأخرت عنها وتركتها ! فقال : نعم ، ناداني القبر من خلفي : يا عمر بن عبد العزيز ، ألا تسألني ما صنعت بالأحباب ؟ قلت : بلى . قال : خرقت الأكفان ، ومزّقت الأبدان ، ومصصت الدم ، وأكلت اللحم . قال : ألا تسألني ما صنعت بالأوصال ؟ قلت : بلى . قال : نزعت الكتفين من الذراعين ، والذراعين من العضدين ، والعضدين من الوركين ، والوركين من الفخذين ، والفخذين من الركبتين ، والركبتين من الساقين ، والساقين من القدمين . ثم بكى عمر ، ثم قال : ألا إن الدنيا بقاؤها قليل ، وغرورها كثير ، وعزيزها ذليل ، وغنيّها فقير ، وشابّها يهرم ، وحبّها يموت . ولا يغرّنكم إقبالها مع معرفتكم بسرعة إدبارها ، والمغرور من اغترّ بها . أين سكانها الذين بنوا مدائنها ، وشقّوا أنهارها ، وغرسوا أشجارها ، وأقاموا فيها