ابن عربي

83

مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الالهية

ثم قال لي : في الحيرة تاه الواقفون ، وفيها تحقق الوارثون ، وإليها عمل السالكون ، وعليها اعتكف العابدون ، وبها نطق الصديقون . وهي مبعث المرسلين ، ومرتقى همم النبيين . فلقد أفلح من حار . فمن حار وحد ، ومن وحد وجد ، ومن وجد فني ، ومن فني بقي ، ومن بقي عبد ، ومن عبد جازى ، ومن جازى فهو الأعلى . وأفضل المجازاة الإنية ، وفيها الحيرة . ثم قال لي : ليس الحيرة حيرة ، وإنما هي غيرة مني عليك . فغر عليّ ، واسترني واحجبني ، ولا تظهر في الوجود غيري . ثم قال لي : أوقفهم في الحيرة ولا تدل عليّ أحد ، أو وصّلهم إليّ وعرفهم بي ، ولا تعرفهم بمكاني ، وعرفهم بمكاني ولا تعرفهم بي . فإذا لازموا مكاني يجدوني ، وإذا وجدوني لم يروا شيئا . وإذا رأوا شيئا لم يروا مكاني . وإذا لم يروا مكاني ، فأحرى أن يروني . ثم قال لي : هذا ثوبي . سر به إليهم ، فمن لبسه فهو مني وأنا منه ، ومن لم يلبسه فليس مني ولست منه . ثم قال لي : ارم به في النار ، فإن احترق فهو ثوبي ، وإن سلم فليس ثوبي . ثم قال لي : إن احترق فليس ثوبي ، وإن سلم فهو ثوبي . ومن لبس ثوبي فليس مني ، ومن تركه فهو مني . ثم قال لي : شهد العدم للحيرة . إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا « 1 » .

--> ( 1 ) الآية رقم ( 14 ) من سورة طه ، ونصّها كاملا هو : إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ( 14 ) .